منقطع من غيره ، والله عز وجل باين بجميع صفاته من خلقه ومعناه من الألفة ، فكما
أن الله عز وجل سبب إلفة الخلق ، فكذلك الألف عليه تألفت الحروف ، وهو سبب
إلفتها وثالثها : إنها أسماء الله تعالى منقطعة ، لو أحسن الناس تأليفها لعلموا اسم الله
الأعظم ، تقول : الر ، وحم ، ون : فيكون الرحمن ، وكذلك سائرها ، إلا أنا لا
نقدر على وصلها ، والجمع بينها ، عن سعيد بن جبير . ورابعها : إنها أسماء
القرآن ، عن قتادة وخامسها : إنها أقسام أقسم الله تعالى بها ، وهي من أسمائه ، عن
ابن عباس ، وعكرمة . قال الأخفش : وإنما أقسم الله تعالى بالحروف المعجمة
لشرفها وفضلها ، ولأنها مباني كتبه المنزلة بالألسنة المختلفة ، وأسمائه الحسنى ،
وصفاته العليا ، وأصول كلام الأمم كلها ، بها يتعارفون . ويذكرون الله عز اسمه ،
ويوحدونه ، فكأنه هو أقسم بهذه الحروف أن القرآن كتابه وكلامه وسادسها : إن كل
حرف منها مفتاح اسم من أسماء الله تعالى ، وليس فيها حرف إلا وهو في آلائه
وبلائه ، وليس فيها حرف إلا وهو في مدة قوم وآجال آخرين ، عن أبي العالية . وقد
ورد أيضا مثل ذلك في أخبارنا وسابعها : إن المراد بها مدة بقاء هذه الأمة ، عن
مقاتل بن سليمان ، قال مقاتل : حسبنا هذه الحروف التي في أوائل السور بإسقاط
المكرر ، فبلغت سبع مائة وأربعا وأربعين سنة ، وهي بقية مدة هذه الأمة .
قال علي بن فضال المجاشعي النحوي : وحسبت هذه الحروف التي ذكرها
مقاتل ، فبلغت ثلاثة آلاف وخمسا وستين ، فحذفت المكررات فبقي ستمائة وثلاث
وتسعون والله أعلم بما فيها ، وأقول : قد حسبتها أنا أيضا ، فوجدتها كذلك . ويروى
أن اليهود لما سمعوا ( ألم ) قالوا : مدة ملك محمد صلى الله عليه وآله وسلم قصيرة ، إنما تبلغ إحدى
وسبعين سنة . فلما نزلت الر ، المر ، والمص ، وكهيعص اتسع عليهم الأمر . هذه
أقوال أهل التفسير وثامنها : إن المراد بها حروف المعجم ، استغني بذكر ما ذكر منها
في أوائل السور ، عن ذكر بواقيها التي هي تمام الثمانية والعشرين حرفا ، كما يستغنى
بذكر قفا نبك عن ذكر باقي القصيدة ، وكما يقال أب في أبجد وفي أب ت ث ، ولم
يذكروا باقي الحروف . قال الراجز :
لما رأيت أنها في حطي * أخذت منها بقرون شمط
وإنما أراد الخبر عن المرأة بأنها في أبجد فأقام قوله حطي مقامه لدلالة الكلام
عليه . وتاسعها : إنها تسكيت للكفار ، لأن المشركين كانوا تواصوا فيما بينهم أن لا
يستمعوا لهذا القرآن ، وأن يلغوا فيه ، كما ورد به التنزيل من قوله ( لا تسمعوا لهذا
تفسير مجمع البيان — صفحة 76
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٧٦