من التباغي والتظالم ، والتكالم والتلاكم ، وأن ليس بعضهم من شر بعض بسالم ،
على أن وراءهم يوما ينتصف فيه للمظلوم من الظالم ، فقال : ( مالك يوم الدين ) .
وإذا عرف هذه الجملة فقد علم أن له خالقا رازقا رحيما ، يحيي ويميت ، ويبدئ
ويعيد ، وهو الحي لا يشبهه شئ ، والإله الذي لا يستحق العبادة سواه . ولما صار
الموصوف بهذا الوصف كالمدرك له بالعيان ، المشاهد بالبرهان ، تحول عن لفظ
الغيبة إلى لفظ الخطاب ، فقال : ( إياك نعبد ) . وهذا كما أن الانسان يصف الملك
بصفاته ، فإذا رآه ، عدل عن الوصف إلى الخطاب .
ولما رأى اعتراض الأهواء والشبهات ، وتعاور الآراء المختلفات ، فقال :
( وإياك نستعين ) . ولما عرف هذه الجملة ، وتبين له أنه بلغ من معرفة الحق
المدى ، واستقام على منهج الهدى ، ولم يأمن العثرة لارتفاع العصمة ، سأل الله
تعالى التوفيق للدوام عليه والثبات ، والعصمة من الزلات ، فقال : ( اهدنا الصراط
المستقيم ) . وهذا لفظ جامع يشتمل على مسألة معرفة الأحكام ، والتوفيق لإقامة
شرائع الاسلام ، والاقتداء بمن أوجب الله طاعته من أئمة الأنام ، واجتناب المحارم
والآثام .
وإذا علم ذلك ، علم أن لله سبحانه عبادا خصهم بنعمته ، واصطفاهم على
بريته ، وجعلهم حججا على خليقته ، فسأله أن يلحقه بهم ، ويسلك به سبيلهم ، وأن
يعصمه عن مثل أحوال الزالين المزلين ، والضالين المضلين ، ممن عاند الحق ،
وعمي عن طريق الرشد ، وخالف سبيل القصد ، فغضب الله عليه ولعنه ، وأعد له
الخزي المقيم ، والعذاب الأليم ، أو شك في واضح الدليل ، فضل عن سواء
السبيل ، فقال : ( صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) .
هامش
( 1 ) [ وأنت في الصلاة ] .