قراءة ابن مسعود ( ما ننسك من آية أو ننسخها ) وبه قرأ الأعمش . وروي عن مجاهد
أنه قال : قراءة أبي ( ما ننسخ من آية أو ننسك ) فهذا كله يثبت قراءة من جعل ننسها
من النسيان ، ويؤكد ما روي عن قتادة أنه قال : كانت الآية تنسخ بالآية ، وينسي الله
نبيه من ذلك شيئا .
والوجه الثاني : وهو أن المراد بالنسيان الترك في الآية مروي عن ابن عباس .
فعلى هذا يكون المراد بننسها : نأمركم بتركها أي : بترك العمل بها . قال الزجاج :
إنما يقال في هذا نسيت : إذا تركت ، ولا يقال فيه أنسيت تركت ، وإنما معنى ( أو
ننسها ) : أو نتركها أي : نأمركم بتركها . قال أبو علي : من فسر أنسيت بتركت ، لا
يكون مخطئا ، لأنك إذا أنسيت فقد نسيت . ومن هذا قال علي بن عيسى : إنما فسره
المفسرون على ما يؤول إليه المعنى ، لأنه إذا أمر بتركها فقد تركها .
فإن قيل : إذا كان نسخ الآية رفعها وتركها أن لا تنزل ، فما معنى ذلك ؟ ولم
جمع بينهما ؟ قيل : ليس معنى تركها ألا تنزل ، وقد غلط الزجاج في توهمه ذلك ،
وإنما معناه إقرارها فلا ترفع ، كما قال ابن عباس نتركها فلا نبدلها . وإضافة الترك إلى
القديم سبحانه ، في نحو هذا اتساع ، كقوله تعالى : ( وتركهم في ظلمات لا
يبصرون ) ( وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ) أي : خليناهم وذاك .
وأما من قرأ ( أو ننسأها ) على معنى التأخير ، فقيل فيه وجوه أحدها : إن معناه
أو نؤخرها ، فلا ننزلها وننزل بدلا منها مما يقوم مقامها في المصلحة ، أو يكون أصلح
للعباد منها . وثانيها : إن معناه نؤخرها إلى وقت ثان ، ونأتي بدلا منها في الوقت
المتقدم بما يقوم مقامها . وثالثها : أن يكون معنى التأخير أن ينزل القرآن ، فيعمل به
ويتلى ، ثم يؤخر بعد ذلك بأن ينسخ ، فيرفع تلاوته البتة ، ويمحى فلا تنسأ ، ولا
يعمل بتأويله ، مثل ما روي عن زر بن حبيش أن أبيا قال له : كم تقرؤون الأحزاب ؟
قال بضعا وسبعين آية . قال : قد قرأتها ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أطول من سورة
البقرة أورده أبو علي في كتاب الحجة ورابعها : أن يؤخر العمل بالتأويل ، لأنه نسخ ،
ويترك خطه مثبتا ، وتلاوته قرآن يتلى ، وهو ما حكي عن مجاهد يثبت خطها ، ويبدل
حكمها .
والوجهان الأولان عليهما الاعتماد ، لأن الوجهين الأخيرين يرجع معناهما إلى
معنى النسخ ، فلا يحسن إذ يكون في التقدير محصوله ما ننسخ من آية أو ننسخها ،
تفسير مجمع البيان — صفحة 341
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٣٤١