وهذا لا يصح . على أن الوجه الأول أيضا فيه ضعف ، لأنه لا فائدة في تأخير ما لم
يعرفه العباد ، ولا علموه ، ولا سمعوه . فالأقوى هو الوجه الثاني .
وقوله : ( نأت بخير منها أو مثلها ) فيه قولان أحدهما : نأت بخير منها لكم في
التسهيل والتيسير كالأمر بالقتال الذي سهل على المسلمين بقوله ( الآن خفف الله
عنكم ) أو مثلها في السهولة كالعبادة بالتوجه إلى الكعبة بعد أن كان إلى بيت
المقدس ، عن ابن عباس والثاني : نأت بخير منها في الوقت الثاني أي : هي لكم
في الوقت الثاني ، خير لكم من الأولى في الوقت الأول ، في باب المصلحة ، أو
مثلها في ذلك ، عن الحسن . وقوله : ( لم تعلم أن الله على كل شئ قدير ) قيل :
هو خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم . وقيل : هو خطاب لجميع المكلفين ، والمراد ألم تعلم أيها
السامع ، أو أيها الانسان ، أن الله تعالى قادر على آيات وسور مثل القرآن ، ينسخ بها
ما أمر ، فيقوم في النفع مقام المنسوخ .
وعلى القول الأول معناه : ألم تعلم يا محمد أنه سبحانه قادر على نصرك ،
والانتصار لك من أعدائك . وقيل : هو عام في كل شئ . واستدل من زعم أنه لا
يجوز نسخ القرآن بالسنة المعلومة بهذه الآية ، قال : أضاف الإتيان بخير منها إلى
نفسه ، والسنة لا تضاف إليه حقيقة ، ثم قال بعد ذلك : ( ألم تعلم أن الله على كل
شئ قدير ) فلا بد من أن يكون أراد ما يختص سبحانه بالقدرة عليه من القرآن
المعجز .
والصحيح أن القرآن يجوز أن ينسخ بالسنة المقطوع عليها ، ومعنى ( خير منها )
أي : أصلح لنا منها في ديننا ، وأنفع لنا بأن نستحق به مزيد الثواب . فأما إضافة ذلك
إليه تعالى فصحيحة ، لأن السنة إنما هي بوحيه تعالى وأمره ، فإضافتها إليه كإضافة
كلامه . وآخر الآية إنما يدل على أنه قادر على أن ينسخ الآية بما هو أصلح وأنفع ،
سواء كان ذلك بقرآن أو سنة . وفي هذه الآية دلالة على أن القرآن محدث ، وأنه غير
الله تعالى ، لأن القديم لا يصح نسخه ، ولأنه أثبت له مثلا ، والله سبحانه قادر عليه .
وما كان داخلا تحت القدرة ، فهو فعل ، والفعل لا يكون إلا محدثا .
( ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله
من ولي ولا نصير ( 107 ) ) .
تفسير مجمع البيان — صفحة 342
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٣٤٢