اللفظ ، وقول من فتح النون أبين وأوضح . وأما ( ننسأها ) فهي من النسأ : وهو
التأخير ، يقال : نسأت الإبل عن الحوض أنسأها نسأ : إذا أخرتها عنه ،
وانتسأت أنا أي : تأخرت ، ومنه قولهم : أنسأ الله أجلك ، ونسأ في أجلك .
واما القراءة الأخرى فمن النسيان الذي هو بمعنى السهو ، أو بمعنى الترك .
اللغة : النسخ في اللغة : إبطال شئ ، وإقامة آخر مقامه . يقال :
نسخت الشمس الظل أي : أذهبته وحلت محله . وقال ابن دريد : كل شئ
خلف شيئا ، فقد انتسخه . وانتسخ الشيب الشباب ، وتناسخ الورثة ، أن تموت
ورثة بعد ورثة ، وأصل الميراث قائم لم يقسم ، وكذلك تناسخ الأزمنة والقرون
بعد القرون الماضية . وأصل الباب الإبدال من الشئ غيره . وقال علي بن
عيسى : النسخ : الرفع لشئ قد كان يلزم العمل به إلى بدل منه ، كنسخ
الشمس بالظل ، لأنه يصير بدلا منها في مكانها ، وهذا ليس بصحيح ، لأنه
ينتقض بمن يلزمه الصلاة قائما ، فعجز عن القيام ، فإنه يسقط عنه القيام
لعجزه ، ولا يسمى العجز ناسخا ، ولا القيام منسوخا ، وينتقض أيضا بمن
يستبيح الشئ بحكم العقل ، وورد الشرع بحظره ، فإنه لا يقال إن الشرع نسخ
حكم العقل ، ولا أن حكم العقل منسوخ . وأولى ما يجد به النسخ أن يقال :
هو كل دليل شرعي دل على أن مثل الحكم الثابت بالنص الأول غير ثابت في
المستقبل على وجه لولاه لكان ثابتا بالنص الأول مع تراخيه عنه .
والنسخ في القرآن على ضروب منها : أن يرفع حكم الآية وتلاوتها ، كما روي
عن أبي بكر أنه قال : كنا نقرأ ( لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم ) . ومنها : أن
تثبت الآية في الخط ، ويرفع حكمها كقوله ( وإن فاتكم شئ من أزواجكم إلى الكفار
فعاقبتم ) الآية . فهذه ثابتة اللفظ في الخط ، مرتفعة الحكم . ومنها ما يرتفع اللفظ ،
ويثبت الحكم ، كآية الرجم ، فقد قيل : إنها كانت منزلة ، فرفع لفظها . وقد جاءت
أخبار كثيرة بأن أشياء كانت في القرآن ، فنسخ تلاوتها . فمنها ما روي عن أبي
موسى ، أنهم كانوا يقرأون : " لو أن لابن آدم واديين من مال ، لابتغى إليهما ثالثا ، ولا
يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ، ويتوب الله على من تاب " ثم رفع . وعن انس أن
السبعين من الأنصار الذين قتلوا ببئر معونة ، قرأنا فيهم كتابا . " بلغوا عنا قومنا إنا لقينا
ربنا فرضي عنا ، وأرضانا ) ثم إن ذلك رفع . وقال أبو عبيدة معنى ننسأها أي :
نمضيها فلا ننسخها ، قال طرفة :
تفسير مجمع البيان — صفحة 338
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٣٣٨