في الدنيا ، فكان يوافقه على ذلك من يخالفه من اليهود والنصارى ، ويجب أن يكون
هؤلاء القوم وإن أماتهم الله ، ثم أحياهم ، غير مضطرين إلى معرفة الله عند موتهم ،
كما يضطر الواحد منا اليوم إلى معرفته عند الموت ، بدليل أن الله أعادهم إلى
التكليف . والمعرفة في دار التكليف لا تكون ضرورية ، بل تكون مكتسبة ، ولكن
موتهم إنما كان في حكم النوم ، فاذهب الله عنهم الروح من غير مشاهدة منهم لأحوال
الآخرة . وليس في الإحياء بعد الإماتة ما يوجب الاضطرار إلى المعرفة ، لأن العلم
بأن الإحياء بعد الإماتة لا يقدر عليه غير الله ، طريقه الدليل ، وليس الإحياء بعد
الإماتة إلا قريبا من الانتباه بعد النوم ، والإفاقة بعد الاغماء ، في أن ذلك لا يوجب
علم الاضطرار .
واستدل قوم من أصحابنا بهذه الآية على جواز الرجعة ، وقول من قال : إن
الرجعة لا تجوز إلا في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ليكون معجزا له ، ودلالة على نبوته ،
باطل ، لأن عندنا بل عند أكثر الأمة ، يجوز إظهار المعجزات على أيدي الأئمة
والأولياء ، والأدلة على ذلك مذكورة في كتب الأصول . وقال أبو القاسم البلخي : لا
تجوز الرجعة مع الإعلام بها ، لأن فيها إغراء بالمعاني من جهة الإتكال على التوبة في
الكرة الثانية ! وجوابه : إن من يقول بالرجعة لا يذهب إلى أن الناس كلهم يرجعون ،
فيصير إغراء بأن يقع الاتكال على التوبة فيها ، بل لا أحد من المكلفين إلا ويجوز أن
لا يرجع ، وذلك يكفي في باب الزجر .
( وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات
ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ( 57 ) ) .
اللغة : الظلة والغمامة والسترة نظائر ، يقال : ظللت تظليلا . والظل :
ضد الضح ، ونقيضه وظل الشجرة : سترها . ولا أزال الله عنا ظل فلان أي :
ستره . ويقال لسواد الليل : ظل ، لأنه يستر الأشياء . قال الله تعالى ( ألم تر
إلى ربك كيف مد الظل ) والغمام : السحاب ، والقطعة منها غمامة ، وإنما
سمي غماما لأنه يغم السماء أي : يسترها . وكل ما يستر شيئا فقد غمه .
وقيل : هو ما ابيض من السحاب . والغمة : الغطاء على القلب من الغم .
وفلان في غمة من أمره : إذا لم يهتد له . والمن : الإحسان إلى من لا
تفسير مجمع البيان — صفحة 223
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٢٣