ووجه الحسن في القتل أنه لطف على ما قلناه ، وأيضا فكما يجوز من الله تعالى
أن يميت الحي ، فكذلك يجوز أن يأمرنا بإماتته ، ويعوضه على الآلام التي تدخل
عليه ، ويكون فيه لطف على ما ذكرناه .
وقوله : ( ذلكم خير لكم عند بارئكم ) إشارة إلى التوبة مع القتل لأنفسهم على
ما أمرهم الله به بدلالة قوله : ( فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ) فقوله ( توبوا ) دال
على التوبة فكأنها مذكورة وقوله ( فاقتلوا ) دال على القتل ، فكأنه قال : إن التوبة
وقتل النفس في مرضاة الله كما أمركم به ، وإن كان فيه مشقة عظيمة خير لكم عند
خالقكم من إيثار الحياة الدنيا ، لأن الحياة الدنيا لا تبقى ، بل تفنى ، وتحصلون بعد
الحياة على عذاب شديد . وإذا قتلتم أنفسكم كما أمركم الله به ، زالت مشقة القتل
عن قريب ، وبقيتم في نعيم دائم لا يزول ولا يبيد . وكرر ذكر ( بارئكم ) تعظيما لما
أتوا به مع كونه خالقا لهم .
وقوله ( فتاب عليكم ) هاهنا إضمار تقديره ففعلتم ما أمرتم به فتاب عليكم ، أو
فقتلتم أنفسكم فتاب عليكم ، أي : قبل توبتكم ( إنه هو التواب ) أي : قابل التوبة
عن عباده مرة بعد مرة . وقيل : معناه قابل التوبة عن الذنوب العظام ( الرحيم )
يرحمكم إذا تبتم ، ويدخلكم الجنة . وفي هذه الآية دلالة على أنه يجوز أن يشترط
في التوبة سوى الندم ما لا يصح التوبة إلا به ، كما أمروا بالقتل .
( وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة
وأنتم تنظرون ( 55 ) ) .
اللغة : لن نؤمن لك أي : لن نصدقك . يقال : آمن به وآمن له بدلالة
قوله تعالى ( قال فرعون آمنتم به ) وفي موضع آخر : ( آمنتم له ) . والرؤية :
الإدراك بالبصر ، ثم يستعمل بمعنى العلم ، يقال رأى ببصره رؤية ، ورأى من
الرأي رأيا ، ورأيت رؤيا حسنة . والرواء : المنظر في البهاء والجمال .
والمرآة : التي ينظر فيها ، وجمعها المرائي . وتراءيت بالمرآة : إذا نظرت
فيها . وجاء في الحديث : ( لا يتراءى أحدكم بالماء أي : لا ينظر فيه . وتراءى
القوم إذا رأى بعضهم بعضا . وتراءى فلان لفلان : إذا تصدى له ليراه ،
ويحذفون الهمزة من رأيت في كل كلمة تكون راؤها ساكنة ، تقول رأيت أرى .
تفسير مجمع البيان — صفحة 220
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٢٠