على قدميه حافيا ما عليه إلا خيشة ، وما معه إلا ركوة وجراب ،
حتى قدم مكة وقضى حجه وأقام بها . وكان يدخل الحجر
بالليل ينوح على نفسه ويقول : سيدي ! لم أراقبك ثم في خلواتي ; سيدي !
ذهبت شهواتي وبقيت تبعاتي ; فالويل لي يوم ألقاك ، والويل كل
الويل من صحيفتي إذا نشرت مملوءة من فضائحي وخطاياي ; بل حل
بي الويل من مقتك إياي وتوبيخك لم لي في إحسانك إلي ومقابلة نعمتك
بالمعاصي ; وأنت مطلع على أفعالي ; سيدي ! إلى من أهرب إلا
إليك ، وإلى من التجئ إلا إليك ؟ سيدي ! إني لا أستأهل أن
أسألك الجنة ، بل أسألك بجودك وكرمك وتفضلك أن تغفر لي وترحمني ،
فإنك أهل التقوى وأهل المغفرة .
قال محمد بن السماك : فبينا أنا ذات ليلة في الطواف إذ سمعت نغمته
ونوحه وبكاءه ، فحركني وأقلقني . فقطعت الطواف ودخلت الحجر ،
وأنا لا أثبته ، فقلت له : حبيبي ! من أنت ؟ فإني أراك صغير السن ،
قريح القلب ، مكروبا مغموما ، حزين النوح ، كثير الدموع ; فما
القصة ؟ فإني حامل الخطيئة مع شيبتي ، صاحب ذنوب . فنظر إلي
فعرفني ; فقال : ألست الواعظ لي وأنا منهمك في ضلالتي ، سكران في
حيرتي ، لا أقبل عليك بوجهي ؟ أنا موسى بن محمد بن سليمان بن علي
الذي رأيتني بالبصرة . قال : فأصابتني من قوله دهشة ; فدنوت منه
كتاب التوابين — صفحة 188
مساهمون: عبد الله بن قدامة
ص١٨٨