تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب التوابين — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
الخدم بأيديهم المراوح والمذاب ، والقينات بحذائه في مجلس خارج من القبة يراهن . فإذا نظر عن يمينه رأى نديما قد اصطفاه وأنس بمادثته ، وإن نظر عن يساره رأى أخا وصفيا قد واده واجتباه ، وإن رفع طرفه نظر إلى خدم قيام قد اختارهم ، وإن رمى بطرفه إلى حواشيه رأى مطربيه وقيانه كلهم يفدونه ، أسماعهم مصغية إليه ، وأعينهم قبله لا يشتغلون بغيره . فإن تكلم سكتوا ، وإن قام قاموا . إذا اشتهى سماع القيان نظر نحو الستارة ، وإن أراد سكوتهم أومأ بيده إلى الستارة فأمسكوا ، قد عرفوا ذلك منه . هذا دأبه إلى أن يذهب الليل ويذهب عقله ، فيخرج الندماء ويخلوا مع الوصفاء . فإذا أصبح اشتغل بالنظر إلى اللعابين بين يديه بالشطرنج والنرد . لا يذكر بين يديه موت ولا سقم ولا مرض ، ولا شئ فيه ذكر الغم إلا ذكر الفرح والسرور والنوادر التي يضحك منها . ويطرف كل يوم بأنواع الطيب والشمامات ثنا ما يكون في أوانه ، حتى مضت له سبع وعشرون سنة . فبينا هو ذات يوم في قبته ، وقد مضى بعض الليل ، إذ سمع نغمة من حلق ندي شجي خلاف ما يسمع من مطربيه ; فأخذت بمجامع بقلبه ولها عما كان فيه . فأومأ إليهم أن أمسكوا ، وأخرج رأسه من بعض تلك الشباكات المشرعة إلى الجادة يتسمع الذي وقع بقلبه ; فإذا النغمة ربما سمعها ، وربما خفيت . فصاح بغلمانه : اطلبوا صاحب هذا الصوت !