تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب التوابين — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
فعانقته وقبلت بين عينيه ، وقلت : بأبي أنت أبو القاسم ! ما القصة ؟ فأخبرني قال : استر أمري فلا أحب - رحمك الله - أن أعرف وأعلم ; إن المولى المنعم المتفضل المحسن أنبهني من غفلتي وبصرني بعيب نفسي ، فتركت جميع ما كنت فيه مما رأيت ، وأقبلت إلى ربي ; فهل تراه يقبلني ؟ فإني خائف أن يكون قد صرف وجهه عني ، قال : فأبكاني كلامه ، وقلت : حبيبي ! أبشر فقد بلغني أنه ما من شئ أحب إلى الله تبارك وتعالى من شاب تائب . فلما أن سمعها أراد أن يضبط نفسه من البكاء ، وخاف أن يجتمعوا عليه إذا سمعوا بكاءه . فقام وهو يقول : أيها الطبيب ! اتبعني . فتبعته حتى خرج من باب الحناطين وهو يمشي ويلتفت إلي ، وقد أمسك على بطنه ، حتى انتهى إلى باب . ثم دخل وأدخلني معه وأصعدني غرفة وقعد ، وقال : ما زلت متشوقا إلى لقائك لتداوي قرحي بمرهم كلامك . فقلت له : يا أبا القاسم ! قد أسعدك بلطفه إله العالمين فأنبهك من رقدة الغافلين ; فأشكره على توفيقه إياك وكن من الشاكرين ، وبما أنعم عليك فكن من الحامدين ، فإن الله تعالى معوضك ذلك برحمته أفضل مما تركت له من مخافته . أبا القاسم ! اجعل الموت نصب عينيك ، واعلم أن بين يديك عقبة عليها المسلك غدا لا يقطعها إلا الورعون عن محارم الله تعالى ، وقناطر لا يجوزها إلا المخفون من المظالم ، يتردى منها في نار * ( أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت