تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب التوابين — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
ووقعت الصيحة والضجيج في الدار . ثم فك الرقعة فإذا فيها مكتوب بخطه : يا أمير المؤمنين ! اقرأ سورة الفجر إلى رابع عشرة آية فاعتبر بها ، واعلم أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ، ثم أمر المأمون فغسل وكفن وأخرج ليدفن ; والمأمون يمشي حتى صلى عليه . فلما وضع في حفرته أمر الخدم ، فقال : اخرجوا من القبر . ثم اطلع في القبر ، فقال : يا بني ! رحمك الله وأعطاك أمنيتك ورجاءك ; إذا إني لأرجو أن يكون الله تعالى قد أسعدك ونفعني بك ; فنعم الولد كنت ; جمع الله بينك وبين ابن عمي المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ورزقني الصبر عليك . ثم قال : سوؤا عليه . فدخل الخدم فأطبقوا عليه ألواحه . ثم قال : أهيلوا عليه التراب . وهو واقف يصيبه الغبا والخدم قيام معهم المناديل يردون عنه الغبار . فقال : إليكم عني ! يبلى علي في التراب وتردون عني الغبار ؟ ! ثم قال : اللهم ! ثبته بالقول الثابت ، وأشهدك أني راض عنه يا أرحم الراحمين ! والرقعة في يده لا يضعها . فدعا محمد بن سعد الترمذي فأمره أن يقرأ سورة ( الفجر ) . فجعل يقرأ والمأمون يبكي حتى بلغ ( إن ربك لبالمرصاد ) [ الفجر : 14 ] ، فأمسك . فتصدق عنه بألف ألف درهم ، وأمر بعرض السجون وأطلق عنهم ، وكتب إلى العمال بإنصاف الرعية ورد المظالم ، ونزع عن أمور كثيرة . وبقي بعده لا يذكر إلا بكى ، وهو مكروب لا يرتاح للذة ولا لشهوة . وينتاب مجلسه الفقهاء يبصرونه ويعظونه . فما زالت هذه حاله حتى مات رحمه الله .