تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب التوابين — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
خماصا جياعا حفاة عراة ، فلم تأكل الأرض منهم شحما ولا لحما ، بليت الجلود على العظام والعروق . ثم أخرج ساعدا كأنه قضيب فضة مستديرة شحما ولحما ، فقال : إن هذا الساعد مع هذا البدن ربي بالأطعمة والأشربة التي وصفت لكم من الطعام والشراب ليبلى في التراب كما يبلى ساعد الحمال . ثم أرسل عينيه فبكى فأكثر البكاء ونحن قيام على رأسه . ثم قال : يا غلام ! ارفع هذه الآلة قبحها الله فما أموتها للقلوب وأضرها وأذلها . فرفعت وصرف الندماء والخدم والغلمان وبقي وحده متفكرا لا يأذن لأحد عليه ; حتى إذا مضى بعض الليل ، ناداني : يا شاكر ! قلت : لبيك أيها الأمير ! قال : دونك الخزائن فاحفظها مع جميع ما في الدار ، فإني منطلق إلى سيدي ، وأنا أظن أنه يعني بسيده أباه . فخرج علي وعليه إزار قد أخذه على رأسه ، ونعل طاق قد وضعها في رجله ، وقال : لا يتبعني منكم أحد بشمع . فخرج ومعه غلام صغير ، وتخلف عنه الخدم والغلمان . فلما أصبحنا افتقدنا الغلام إلى ارتفاع النهار . فجاء الغلام فسألته عنه ، فقال : لم يدخل دار أمير المؤمنين ولكنه أخذ نحو الدجلة ، وقال لي : قف موضعك هذا ، لا تبرح . فلا أدري أين ذهب ، إلا أنه دنا من ملاح فناوله دنانير ، وقال : لي حاجة مهمة ب‍ " واسط " فتعجل بي ، وهو لا يعرفه ، فأدخله الزورق ومضى به إلى " واسط " . ثم لم يقم ب‍ " واسط " حتى خرج إلى " البصرة " وتنكر ولبس الخشن على ذلك الجلد النقي ; واشترى طبقا كهيئة ما رأى من زي الحمال ، وجعل الطبق على عاتقه ، يعمل على مقدار قوته ;