تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب التوابين — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
يحمل على رأسه بالقطع والكسر ، لا يرد ما أعطى ; بالنهار صائم يحمل على رأسه ، وبالليل قائم يصلي ، يمشي حافيا حتى تقطعت رجلاه ، يبيت في المساجد يتخللها كي لا يفطن به . فلم يزل كذلك يعمل ويعبد ربه سنين . وأمير المؤمنين لما وقف على أمره كتب في جميع الآفاق إلى العمال في كل بلدة أن يطلب وتوضع عليه العيون ; فلم يوقف على أمره . قال : فمرض في بعض المساجد وتغيرت حاله . فلما اشتدت به العلة دخل بعض الخانات بالبصرة فاكترى غرفة وألقى نفسه على بارية . فلما أيس من نفسه دعا صاحب الخان فناوله خاتمه ورقعة مختومة فقال : يا هذا ! إذا أنا قضيت نحبي فأخرج إلى صاحبكم - يعني الوالي - فأره خاتمي وعرفه موضعي وناوله هذه الرقعة . فمات رحمه الله ، فلما قضى سجاه وخرج نحو باب الأمير ، فنادى : النصيحة ، فأدخل ، فأراه الخاتم فلما نظر إليه الوالي عرفه ، وقال : ويحك ، أين صاحب الخاتم ؟ قال : في الغرفة في الخان ميت . وناوله الرقعة مختومة مكتوبا عليها : لا يفكها إلا المأمون أمير المؤمنين . فركب الأمير حتى أتى الخان ، وحوله إلى قصره وطلى عليه الكافور والمسك والعنبر ولفه في قباطي مصر وحمله في الماء إلى المأمون . وكتب إليه يعرفه قصته وأنه وجده في غرفة على بارية في بعض الخانات ، ما تحته مهاد ، ولا عنده باكية ، مسجى مغمض العينين مستنير الوجه طيب الرائحة . قال : وبعث إليه خاتمه ورقعته . فلما وصل كتابه إلى أمير المؤمنين ، وأدخل [ علي ] عليه قام فكشف عن وجهه وانكب عليه يقبله ويبكي .
كتاب التوابين — صفحة 181 | عبد الله بن قدامة / عبد القادر الأرناؤوط