" الطابع الدنيوي الخالص للسيطرة الأموية :
يسمى هذا الطابع " الملك " وقد اعتبره الأتقياء موقفا سيئا ،
وبما أن الأشخاص الأتقياء كانوا قد عزلوا عن الحياة العامة من قبل القادة
فإنهم قد أعطوا كل ما عندهم للدراسة المتعمقة للشريعة الإسلامية ، وفتشوا
عن سنة النبي في أي مكان يمكن أن توجد فيه ، وهذه بداية الرحلات
في طلب الحديث " انتهي .
والواقع أن دلائل كثيرة جدا تثبت بطلان هذا الزعم ، نذكر منها :
1 - ما أشرنا إليه من رحلة الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، مثل ضمام
ابن ثعلبة ، فان التحقيق في خبره يدل على أن الاسلام دخل قلبه قبل لقائه
للنبي صلى الله عليه وسلم لكنه جاء ليسمع من النبي صلى الله عليه وسلم ما كان بلغه عنه .
2 - ما هو ثابت من رحلات التابعين في عصر صدر الخلافة الراشدة ،
كما سبق ( 1 ) أن ذكرنا من " أن علقمة والأسود كانا يبلغهما الحديث عن
عمر رضي الله عنه فلا يقنعها حتى يخرجا إلى عمر فيسمعانه منه " وهو أثر
صحيح ظاهر الدلالة على أن الرحلة في طلب الحديث الواحد وجدت قبل
عصر الأمويين بزمن بعيد ، فكيف بطلب مجموعات من الحديث ، وقد
احتج بهذا الأثر الإمام المحدث الحافظ الجليل أبو عمرو ابن الصلاح على سنية
الرحلة وأهميتها في طلب الحديث ( 2 ) .
هامش
( 1 ) في صفحة 21 وانظر آثارا أخرى تأتي في الرحلة برقم 20 و 21
( 2 ) أذكر أنني التقيت في مطلع الربيع 1973 في المجمع العلمي في
دمشق بالمستشرق الدكتور " يوسف وان إس " رئيس قسم اللغة العربية بجامعة
نوبتجن بألمانيا ، وهو من كبار المستشرقين العصريين ، وله إشراف على عدد من
رسائل الدكتوراه لطلاب عرب ! ! وأفادني بعض الأصدقاء أنه يعتبر الآن عميد
المستشرقين .
وقد قلت للدكتور يوسف وان إس : إنني أرى من اللازم أن لا يقلد
المستشرقون الآن ما كتبه أسلافهم عن الإسلام وخصوصا " جولد تسيهر " الذي
لحظنا له أثرا كبيرا بين المستشرقين وذلك لأن الدراسات العلمية تثبت وقوعه في
أخطاء كثيرة واضحة . . .
فتساءل عن ذلك ؟
قلت له : " أذكر على سبيل المثال بمناسبة هذا اللقاء أن جولد تسيهر أرخ الرحلة
في طلب الحديث بوقت متأخر في عصر الأمويين لظروف سياسية . . . " مع أن ثمة
دلائل صحيحة ثابتة تبرهن على خلاف ذلك وتثبت أن الرحلة في طلب الحديث كانت
قبل ذلك بكثير " .
وألقيت عليه هذا الاستدلال برحلة علقمة والأسود للسماع من عمر رضي الله
عنه ، فحملق في الدكتور يوسف ، وقال : أهذا صحيح ؟ !
قلت : نعم ، وهو ثابت في كتاب علوم الحديث للإمام ابن الصلاح .
فلم يجب .
وأسجل بهذه المناسبة أمنيتي هذه تأكيدا لما ذكرت به الدكتور وان إس
بضرورة تحرر المستشرقين من تقليد سابقيهم إذا أرادوا الحقيقة العلمية . فهل تتحقق
هذه الأمنية ؟ ! ! .