جمع الأحاديث والآثار ، بوجود الكسر والأطمار ، قد رفضوا الإلحاد
الذي تتوق إليه النفوس الشهوانية ، وتوابع ذلك من البدع والأهواء ،
والمقاييس والآراء والزيغ ، جعلوا المساجد بيوتهم وأساطينها تكاهم
وبواريها فرشهم .
حدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن عقبة الشيباني بالكوفة ثنا محمد بن
الحسين بن أبي الحنين ثنا عمر بن حفص بن غياث قال سمعت أبي وقيل
له : ألا تنظر إلى أصحاب الحديث وما هم فيه ؟ قال : هم خير أهل الدنيا .
وحدثني أبو بكر محمد بن جعفر [ المزكي ] ثنا أبو بكر محمد بن إسحاق
قال سمعت علي بن خشرم يقول سمعت أبا بكر بن عياش يقول : إني
لأرجو أن يكون أصحاب الحديث خير الناس ، يقيم أحدهم ببابي وقد كتب
عني ، فلو شاء أن يرجع ويقول حدثني أبو بكر جميع حديثه فعل
إلا أنهم لا يكذبون .
قال أبو عبد الله : ولقد صدقا جميعا ، إن أصحاب الحديث خير الناس
وكيف لا يكونون كذلك وقد نبذوا الدنيا بأسرها وراءهم وجعلوا غذاءهم
الكتابة ، وسمرهم المعارضة ، واسترواحهم المذاكرة ، وخلوقهم المداد ،
ونومهم السهاد ، واصطلاءهم الضياء ، وتوسدهم الحصى
فالشدائد مع
وجود الأسانيد العالية عندهم رخاء ووجود الرخاء مع فقد ما طلبوه عندهم
بؤس ، فعقولهم بلذاذة السنة غامرة ، قلوبهم بالرضاء في الأحوال عامرة ،
تعلم السنن سرورهم ، ومجالس العلم حبورهم ، وأهل السنة قاطبة
إخوانهم ، وأهل الإلحاد والبدع بأسرها أعداؤهم " .
الرحلة في طلب الحديث — صفحة 221
مساهمون: أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي
ص٢٢١