وهذا النص من كتابه الطريف النافع " صيد الخاطر " قال
فيه ما يلي :
" تأملت أحوال الناس في حالة علو شأنهم فرأيت أكثر الخلق تبين
خسارتهم حينئذ ، فمنهم من بالغ في المعاصي من الشباب ، ومنهم من فرط
في اكتساب العلم ، ومنهم من أكثر من الاستمتاع باللذات .
فكلهم نادم في حالة الكبر حين فوات الاستدراك لذنوب سلفت ،
أو قوى ضعفت ، أو فضيلة فاتت ، فيمضي زمان الكبر في حسرات .
فإن كانت للشيخ إفاقة من ذنوب قد سلفت قال : وا أسفاه على ما جنيت ،
وإن لم يكن له إفاقة صار متأسفا على فوات ما كان يلتذ به .
فأما من أنفق عصر الشباب في العلم فإنه في زمن الشيخوخة يحمد
جني ما غرس ويلتذ بتصنيف ما جمع ، ولا يرى ما يفقد من لذات البدن شيئا
بالإضافة إلى ما يناله من لذات العلم .
هذا مع وجود لذاته في الطلب الذي كان تأمل به إدراك المطلوب
وربما كانت تلك الأعمال أطيب مما نيل منها ، كما قال الشاعر :
أهتز عند تمني وصلها طربا * ورب أمنية أحلى من الظفر
ولقد تأملت نفسي بالإضافة إلى عشيرتي الذين أنفقوا أعمارهم في
اكتساب الدنيا ، وأنفقت زمن الصبوة والشباب في طلب العلم ، فرأيتني
لم يفتني مما نالوه إلا ما لو حصل لي ندمت عليه . ثم تأملت حالي فإذا
عيشي في الدنيا أجود من عيشهم ، وجاهي بين الناس أعلى من جاههم .
وما نلته من معرفة العلم لا يقاوم .
الرحلة في طلب الحديث — صفحة 218
مساهمون: أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي
ص٢١٨