لهم ما يروقهم من تأمير أبي بكر الصدّيق .
وما أدراك ما فعل ؟ إنّه أخرس بذلك ألسنة الثقات الأثبات عن معارضته ، وألجم أفواههم أن تنبس في بيان الحقيقة ببنت شفة ؛ خوفا من تألّب العامّة ورعاع الناس ، وإشفاقا من نكال اولي الأمر ووبالهم يومئذ ؟ وما أدراك ما يومئذ !
أراد أبو هريرة بحديثه هذا أن يجتاح المقام المحمود الذي رفع اللّه ورسوله يومئذ سمكه - مقام أمير المؤمنين في ذلك الموسم - إذ كان يرمي إلى أمرين :
أحدهما : أنّ المهمّة التي جاء بها عليّ إنّما كان أمرها بيد أبي بكر الصدّيق بسبب إمارته على الحجّ ، وولايته العامّة تلك السنة على الموسم ، وأنّ أبا بكر لم يكتف بعليّ في أداء المهمّة حتّى بعث أبا هريرة في رهط من أمثاله الأقوياء الأشدّاء ! ! اهتماما بأدائها .
ثانيهما : أنّه لم يكن لعليّ في تلك المهمّة أكثر ممّا كان لأبي هريرة وسائر الرهط الذين بعثهم أبو بكر ؛ لأنّهم قاموا بأدائها كما قام عليّ معهم بذلك .
وحسبك في تزييف هذا أنّ اللّه تعالى لم ير أبا بكر نفسه أهلا لأداء هذه المهمّة فأرجعه عنها ، وأوكلها إلى أحد كفئيها اللذين لا ثالث لهما ، إذ لم يكن لها ثمّة سوى النبيّ والوصيّ ، كما سمعت النصّ عليه ، إذ قال صلى الله عليه وآله وسلم : « لابدّ أن أذهب بها أنا أو تذهب بها أنت » قال عليّ : « فإن كان ولابدّ فسأذهب بها أنا » « 1 » .
وقد روت الامّة أحاديث صحيحة صريحة في ذلك لا تزال تدوّي فتملأ الخافقين .
على أنّ أبا هريرة كان قبل أن يتسخّر لدعاية بني اميّة يحدّث عن هذه المهمّة ، فلا يؤمّر أبا بكر ، ولا يأتي على ذكره ، وكان يضيف نفسه وسائر البعث إلى عليّ ، فيزعم أنّه إنّما كان في البعث الذي كان في ركابه عليه السلام ، وقد مرّ عليك حديثه في هذا ، فراجع « 2 » .
والنفس لا تطمئنّ - شهد اللّه - بكلا حديثيه ، ولا بكونه ممّن نادى يوم النحر ،
هامش
( 1 ) - و 2 . تقدّم في ص 156 .
( 2 ) -