وربّما تأوّلوا الحديث فارجعوا ضمير « صورته » إلى آدم نفسه لا إلى اللّه - تبارك وتعالى - فيكون المعنى : إنّ اللّه - عزّ وعلا - خلقه في الجنّة على صورته التي كان عليها بعد هبوطه منها ؛ إذ أنشأه تامّا مستويا ، طوله ستّون ذراعا ، وعرضه سبعة أذرع ، لم يتغيّر من حال إلى حال ، ولم يتطوّر أطوارا مختلفة كذرّيّته ، فلم يكن نطفة ، ثمّ علقة ، ثمّ مضغة ، ثمّ عظاما كسيت لحما ، ثمّ جنينا ، ثمّ رضيعا ، ثمّ فطيما ، ثمّ مراهقا ، ثمّ رجلا حتّى تمّ طوله وعرضه ، بل خلقه دفعة واحدة على صورته التي رآه عليها بنوه في الأرض .
هذا غاية ما يمكن أن يقوله أهل التنزيه في تأويل هذا الحديث لولا وروده عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ : « خلق آدم على صورة الرحمن » ( 1 ) أو مجيؤه من طريق الجمهور بسند آخر مرفوعا أيضا بلفظ : إنّ موسى عليه السلام ضرب الحجر لبني إسرائيل فتفجّر وقال : « اشربوا ياحمير » فأوحى اللّه تعالى إليه : عمدت إلى خلق خلقتهم على صورتي فشبّهتهم بالحمير ( 2 ) . الحديث .
وهذا ما أخرج الجمهور ، ولم يبق لمدافعتهم عن أبي هريرة بالتأويل الذي قلناه محلّا ، ولذا أسلموا بإعادة الضمير في صورته إلى اللّه تعالى متأوّلين تأوّلا آخر ،
شرح
( 1 ) هذا الحديث بهذا اللفظ مستفيض عن أبي هريرة « 1 » ، وقد جعله القسطلاني قرينة على أنّ الهاء من « صورته » - في قول أبي هريرة : خلق اللّه آدم على صورته - إنّما هي « للّه » تعالى ، لا « لآدم » فراجع ص 491 من الجزء العاشر من إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري « 2 » .
( 2 ) أورده ابن قتيبة في ص 280 من كتابه تأويل مختلف الحديث « 3 » ، وجعله دليلا على أنّ ضمير « صورته » في قوله : « خلق اللّه آدم على صورته » راجع إلى « اللّه » لا إلى « آدم » .
هامش
( 1 ) - . للمزيد راجع المصادر المذكورة في بداية المبحث قبيل هذا ، وما سيذكر قريبا .
( 2 ) - . إرشاد الساري 130 : 9 .
( 3 ) - . تأويل مختلف الحديث : 217 - 221 .