أمّا أبو هريرة في المدينة ، فقد كان كواحد من ألوف الصحابة الذين كانوا على عهده ، وكانت وفود المدينة إنّما تأتي مشاهير الصحابة ، وأبو هريرة لم يكن منهم ، على أنّه كان متّهما عندهم ، وكثيرا مّا كانوا ينقمون عليه إكثاره على رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ، فيقولون : إنّ أبا هريرة يكثر الحديث . ويقولون : ما للمهاجرين والأنصار لا يحدّثون مثل أحاديثه ( 1 ) ، فمقامه في المدينة - والحال هذه - كان أدعى لقلّة روايته ، فمن الغريب أن يكون حديثه أكثر من حديث عبداللّه ، وخصوصا بعد اعترافه له ، وبعد العلم بأنّ عبداللّه عمّر بعد أبي هريرة زمنا ليس بالقصير ( 2 ) .
والحقّ أنّ أبا هريرة إنّما اعترف لعبداللّه في أوائل أمره بعد رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ، حين لم يكن مفرطا هذا الإفراط الفاحش ، فإنّه إنّما تفاقم إفراطه ، وطغى فيه على عهد معاوية ، حيث لا أبو بكر ولا عمر ولا عليّ ، ولا غيرهم من شيوخ الصحابة الذين كان يخشاهم أبو هريرة ، كما أشرنا إليه ، وسنوضحه في محلّه من هذا الإملاء « 1 » إن شاء اللّه تعالى .
شرح
( 1 ) كان أبو هريرة يتذمّر منهم ، ويشكوهم إلى اللّه فيما أخرجه البخاري عنه في آخر المزارعة من الجزء الثاني من صحيحه « 2 » .
( 2 ) لأنّ أبا هريرة توفّي - كما في آخر ترجمته من الإصابة « 3 » - سنة سبع وخمسين ، وقيل : سنة ثمان وخمسين ، وقيل : سنة تسع وخمسين .
أمّا عبد اللّه بن عمرو بن العاص فقد مات - كما في ترجمته من الإصابة « 4 » - سنة خمس وستّين ، وقيل : سنة ثمان وستّين ، وقيل : سنة تسع وستّين ، وقيل - كما في ترجمته من كتاب القيسراني في رجال الصحيحين « 5 » - : مات سنة اثنين وتسعين ، واللّه تعالى أعلم .
هامش
( 1 ) - . راجع الفصل 15 .
( 2 ) - . صحيح البخاري 827 : 2 ، الرقم 22 .
( 3 ) - . الإصابة 362 : 7 ، الرقم 10681 .
( 4 ) - . المصدر 167 : 4 ، الرقم 4865 .
( 5 ) - . الجمع بين رجال الصحيحين 239 : 1 ، الرقم 879 .