وحاصله أنّ المراد من قوله : « خلق اللّه آدم على صورته » وقوله : « خلق آدم على صورة الرحمن » وقوله في الحديث الأخير : « خلقتهم على صورتي » أنّه تعالى خلق آدم وبنيه على صفة اللّه ، فإنّ اللّه - عزّ وجلّ - حيّ سميع بصير متكلّم عالم مريد كاره ، وكذلك آدم وبنوه .
وأنت تعلم أنّهم وقعوا فيما فرّوا منه ؛ لأنّ صفة اللّه - عزّوجلّ - تنزّهت عن التشبيه بإجماع أهل التنزيه ، ولا سيّما على قولنا بأنّ صفاته عين ذاته ، وهو الحقّ بحكم العقل والنقل ، كما هو مقرّر في محلّه من أصولنا .
على أنّ أبا هريرة قد تطوّر في هذا الحديث كما هي عادته ، فتارة رواه كما سمعت ، وتارة رواه بلفظ : « إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه ؛ فإنّ اللّه خلق آدم على صورته » ( 1 ) ومرّة رواه بلفظ : « إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه ، ولا يقل : قبّح اللّه وجهك ووجه من أشبه وجهك ؛ فإنّ اللّه خلق آدم على صورته » ( 2 ) .
انتهى .
ولا يخفى أنّه قطع بهذا على أوليائه خطّ الرجعة إلى كلّ من التأويلين ، فإنّك تعلم أنّه لا يصحّ إرجاع الضمير في « صورته » إلى « آدم » في كلّ من الروايتين ، بل لابدّ
شرح
( 1 ) أخرجه بهذه الألفاظ عن أبي هريرة بطرق إليه كثيرة غير واحد من حفظة الآثار ، فراجع ص 397 من الجزء الثاني من صحيح مسلم في باب النهي عن ضرب الوجه تجده بعين لفظه « 1 » .
( 2 ) أخرجه البخاري في الأدب المفرد « 2 » . ورواه أحمد بالطرق الصحيحة عن أبي هريرة ص 434 من الجزء الثاني من مسنده « 3 » .
هامش
( 1 ) - . صحيح مسلم 2016 : 4 - 2017 ، كتاب البرّ والصلة والآداب ، ح 116 .
( 2 ) - . صحيح البخاري 2299 : 5 ، ح 5873 . وذكره في كتاب الاستئذان .
( 3 ) - . مسند أحمد 55 : 3 ، ح 7424 ، و 429 - 430 ، ح 9610 .