فإذا نسبتها إلى حديث أبي هريرة وحده - وقد عرفت أنّه 5374 - تجد الأمر كما قلناه .
فلينظر ناظر بعقله في أبي هريرة ، وتأخّره في إسلامه ، وخموله في حسبه ، وامّيّته ، وما إلى ذلك ممّا يوجب إقلاله . ثمّ لينظر إلى الخلفاء الأربعة وسبقهم واختصاصهم ، وحضورهم تشريع الأحكام ، وحسن بلائهم في اثنتين وخمسين سنة ، ثلاث وعشرين كانت بخدمة رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم وتسعة وعشرين من بعده ، ساسوا فيها الامّة ، وسادوا الأمم ، وفتح اللّه لهم ملك كسرى وقيصر ، فمدّنوا المدن ، ومصّروا الأمصار ، ونشروا دعوة الإسلام ، وصدعوا بأحكامه ، وأذاعوا السنن ، ينحدر عنهم السيل ، ولا يرقى إليهم الطير ، فكيف يمكن - والحال هذه - أن يكون المأثور عن أبي هريرة وحده أضعاف المأثور عنهم جميعا ، أفتونا يا اولي الألباب ؟ !
وليس أبو هريرة كعائشة - وإن أكثرت أيضا - فقد تزوّجها رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم قبل إسلام أبي هريرة بعشر سنين ( 1 ) ، فكانت في مهبط الوحي والتنزيل ، ومختلف جبرائيل وميكائيل أربعة عشر عاما ، وماتت قبل موت أبي هريرة بيسير ( 2 ) .
شرح
( 1 ) أخرج ابن عبد البرّ في أحوال عائشة من الاستيعاب « 1 » عن ابن شهاب :
أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم تزوّج عائشة في شوّال سنة عشر من النبوّة قبل الهجرة بثلاث سنين ، وأعرس بها في المدينة في شوّال على رأس ثمانية عشر شهرا من مهاجرته إلى المدينة .
انتهى .
فيكون زواجها قبل إسلام أبي هريرة بعشر سنين ؛ إذ لا ريب في أنّ إسلامه إنّما كان سنة سبع .
( 2 ) توفّيت ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شهر رمضان ، سنة سبع وخمسين - أو ثمان وخمسين - قبيل وفاة أبي هريرة بيسير ، وهو الذي صلّى عليها بأمر الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ، وكان واليا على المدينة من قبل عمّه معاوية ، أراد إكرام أبي هريرة فأمره بالصلاة عليها ودفنت بالبقيع .
هامش
( 1 ) - . الاستيعاب 1881 : 4 ، الرقم 4029 .