تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ميزان الحكمة — صفحة 3030

مساهمون:

ص٣٠٣٠
خلقة استثنائية ناقضة للعادة الجارية . فالقول بآدم النوعي في حد التفريط ، والإفراط - الذي يقابله - قول بعضهم : إن القول بخلق أزيد من آدم واحد كفر . ذهب إليه زين العرب من علماء أهل السنة ( 1 ) . كلام في أن الإنسان نوع مستقل غير متحول من نوع آخر : الآيات السابقة تكفي مؤونة هذا البحث ، فإنها تنهي هذا النسل الجاري بالنطفة إلى آدم وزوجته وتبين أنهما خلقا من تراب ، فالإنسانية تنتهي إليهما وهما لا يتصلان بآخر يماثلهما أو يجانسهما وإنما حدثا حدوثا . والشائع اليوم عند الباحثين عن طبيعة الإنسان أن الإنسان الأول فرد تكامل إنسانا ، وهذه الفرضية بخصوصها وإن لم يتسلمها الجميع تسلما يقطع الكلام ، واعترضوا عليه بأمور كثيرة مذكورة في الكتب ، لكن أصل الفرضية - وهي أن الإنسان حيوان تحول إنسانا - مما تسلموه وبنوا عليه البحث عن طبيعة الإنسان . فإنهم فرضوا أن الأرض - وهي أحد الكواكب السيارة - قطعة من الشمس مشتقة منها ، وقد كانت في حال الاشتعال والذوبان ثم أخذت في التبرد من تسلط عوامل البرودة ، وكانت تنزل عليها أمطار غزيرة وتجري عليها السيول وتتكون فيها البحار ، ثم حدثت تراكيب مائية وأرضية فحدثت النباتات المائية ، ثم حدثت بتكامل النبات واشتمالها على جراثيم الحياة السمك وسائر الحيوان المائي ، ثم السمك الطائر ذو الحياتين ، ثم الحيوان البري ، ثم الإنسان ، كل ذلك بتكامل عارض للتركيب الأرضي الموجود في المرتبة السابقة يتحول به التركيب في صورته إلى المرتبة اللاحقة ، فالنبات ثم الحيوان المائي ثم الحيوان ذو الحياتين ثم الحيوان البري ثم الإنسان على الترتيب . هذا . كل ذلك لما يشاهد من الكمال المنظم في بنيها نظم المراتب الآخذة من النقص إلى الكمال ، ولما يعطيه التجريب في موارد جزئية التطور . وهذه فرضية افترضت لتوجيه ما يلحق بهذه الأنواع من الخواص والآثار من غير قيام دليل عليها بالخصوص ونفي ما عداها ، مع إمكان فرض هذه الأنواع متبائنة من غير اتصال بينها بالتطور وقصر التطور على حالات هذه الأنواع دون ذواتها وهي التي جرى فيها التجارب ، فإن التجارب لم يتناول فردا من أفراد هذه الأنواع تحول إلى فرد من نوع آخر كقردة إلى إنسان ، وإنما يتناول بعض هذه الأنواع من حيث خواصها ولوازمها وأعراضها . واستقصاء هذا البحث يطلب من غير هذا الموضع ، وإنما المقصود الإشارة إلى أنه فرض افترضوه لتوجيه ما يرتبط به من المسائل من غير أن يقوم عليه دليل قاطع ، فالحقيقة التي يشير إليها القرآن الكريم من كون الإنسان نوعا مفصولا عن سائر الأنواع غير معارضة بشئ علمي ( 2 ) .
هامش
( 1 ) الميزان : 4 / 141 وص 143 . ( 2 ) الميزان : 4 / 141 وص 143 .