الخامسة : بيان مرجحات باب التزاحم ، وما تقتضيه القاعدة عند فقدانها .
أما الجهة الأولى : فالتزاحم على نوعين :
الأول : التزاحم بين الملاكات الواقعية بأن تكون - مثلا - في فعل جهة مصلحة
تقتضي إيجابه ، وجهة مفسدة تقتضي تحريمه ، أو كانت فيه جهة تقتضي استحبابه
وجهة أخرى تقتضي كراهته ، وهكذا . . . ، ففي هذه الموارد وما شاكلها لا محالة تقع
المزاحمة بين المصلحة والمفسدة ، أو كانت مصلحة في فعل ومصلحة أخرى في
فعل آخر مضاد له ، وهكذا . . .
ومن الواضح جدا أن الأمر في هذا النوع من التزاحم بيد المولى ، حيث إن
عليه أن يلاحظ الجهات الواقعية والملاكات النفس الأمرية الكامنة في الأفعال
الاختيارية للعباد ، ويقدم ما هو الأقوى والأهم من تلك الملاكات على غيره التي
لم تكن بهذه المرتبة من القوة والأهمية ، ويجعل الحكم على طبق الأهم دون غيره .
ومن الضروري أن هذا ليس من وظيفة العبد بشئ ، فإن وظيفته العبودية
وامتثال الأحكام التي جعلت من قبل المولى ووصلت إليه ، والخروج عن عهدة
تلك الأحكام وتحصيل الأمن من ناحيتها من دون ملاحظته جهات المصالح
والمفاسد في متعلقاتها أصلا ، بل إذا فرضنا أن العبد علم بأن المولى قد اشتبه عليه
الأمر - كما يتفق ذلك في الموالي العرفية - فجعل الوجوب - مثلا - بزعم أن في
الفعل مصلحة مع أنه لا مصلحة فيه ، أو علم أن فيه مفسدة لم يكن له بمقتضى
وظيفة العبودية مخالفة ذلك التكليف المجعول وترك امتثاله معتذرا بأنه لا مقتضي
للوجوب ، أو أن فيه مقتضي الحرمة ، فإن كل ذلك لا يسمع منه ويستحق العقاب
على مخالفته . كما أن من وظيفة الرعايا الالتزام بالقوانين المجعولة في
الحكومات ، فلو أن أحدا خالف قانونا من تلك القوانين اعتذارا بأنه لا مصلحة في
جعله أو أن فيه مفسدة فلا يسمع هذا الاعتذار منه ويعاقب على مخالفة ذلك .
فالنتيجة : هي أن وظيفة المولى جعل الأحكام على طبق جهات المصالح
والمفاسد الواقعيتين ، وترجيح بعض تلك الجهات على بعضها الآخر في مقام
محاضرات في أصول الفقه تقرير أبحاث السيد أبو القاسم الخوئي — صفحة 211
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص٢١١