تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرات في أصول الفقه تقرير أبحاث السيد أبو القاسم الخوئي — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
المزاحمة ، غاية الأمر أنه إذا كان المولى مولى حقيقيا يجعل الحكم على وفق ما هو الأقوى من تلك الجهات في الواقع ونفس الأمر ، وإذا كان عرفيا يجعل الحكم على طبق ما هو الأقوى بنظره ، لعدم إحاطته بجهات الواقع تماما ، ووظيفة العبد الانقياد والإطاعة وامتثال الأحكام ، سواء أعلم بوجود مصلحة في متعلقاتها أم لم يعلم ، ضرورة أن كل ذلك لا يكون عذرا له في ترك الامتثال ، بل يعد هذا منه تدخلا في وظيفة المولى ، وهو قبيح . على أنه ليس للعبد طريق إلى إحراز جهات المصالح والمفاسد في متعلقات الأحكام الشرعية - مع قطع النظر عن ثبوتها - ليراعي ما هو الأقوى منها . نعم ، قد يستكشف من أهمية الحكم أهمية ملاكه فيرجح على غيره ، ولكن هذا أجنبي عما نحن فيه ، وهو وقوع المزاحمة بين الملاكات والجهات الواقعية . فإذا ليست لتلك الكبرى صغرى في الأحكام الشرعية أصلا . وقد تحصل من ذلك أمران : الأول : أن هذا النوع من التزاحم ليس في مقابل التعارض ، فإن ما هو في مقابله التزاحم في الأحكام الفعلية بعضها ببعض دون التزاحم في الملاكات ، ولذا لا تترتب على البحث عنه أية ثمرة . الثاني : أن وقوع التزاحم بين الملاكات يرتكز على وجهة نظر مذهب العدلية من تبعية الأحكام لجهات المصالح والمفاسد في متعلقاتها ، أو في نفسها . وأما على وجهة مذهب الأشعري - المنكر للقول بالتبعية مطلقا - فلا موضوع له . النوع الثاني : تزاحم الأحكام بعضها مع بعض في مقام الامتثال والفعلية ، ومنشؤه عدم قدرة المكلف على امتثال كلا التكليفين معا ، ويكون امتثال كل واحد منهما متوقفا على مخالفة الآخر ، فإنه إذا صرف قدرته على امتثاله يعجز عن امتثال الآخر ، فيكون الآخر منتفيا بانتفاء موضوعه وهو القدرة . مثلا : إذا فرضنا أن إنقاذ الغريق أو نحوه متوقف على التصرف في مال الغير ، أو كان هناك غريقان ولكن المكلف لا يقدر على إنقاذ كليهما معا فعندئذ لو اختار امتثال أحدهما يعجز عن امتثال الثاني ، فينتفي بانتفاء موضوعه .