تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التوحيد — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
العبرة فيه واضحة كالذرة والنملة وما أشبه ذلك فإن المعنى النفيس قد يمثل بالشئ الحقير ، فلا يضع منه ذلك ( 1 ) كما لا يضع من الدينار - وهو من ذهب أن يوزن بمثقال من حديد . ( جسم الطائر وخلقته ) تأمل يا مفضل جسم الطائر وخلقته ، فإنه حين قدر أن يكون طائرا في الجو ، خفف جسمه وادمج ( 2 ) خلقه ، واقتصر به من القوائم الأربع على اثنتين ، ومن الأصابع الخمس على أربع ، ومن منفذين المزبل والبول على واحد يجمعهما ، ثم خلق ذا جؤجؤ ( 3 ) محدد ، ليسهل عليه أن يخرق الهواء كيف ما أخذ فيه ، كما جعلت السفينة بهذه الهيئة ، لتشق الماء وتنفذ فيه ، وجعل في جناحيه وذنبه ريشات طوال متان ، لينهض بها للطيران ، وكسا ( 4 ) ، كله الريش ، ليتداخله الهواء فيقله ( 5 ) ، ولما قدر أن يكون طعمه الحب واللحم يبلعه بلعا بلا مضغ ، نقص من خلقة الإنسان وخلق له منقار صلب جاسي يتناول به طعمه ، فلا ينسحج ( 6 ) من لفظ الحب ، ولا يتقصف ( 7 ) من نهش اللحم ، ولما عدم الأسنان ، وصار يزدرد الحب صحيحا واللحم غريضا ( 8 ) أعين بفضل حرارة في الجوف تطحن له الطعم طحنا يستغني عن المضغ ، واعتبر ذلك بأن عجم العنب ( 9 )
هامش
( 1 ) أي لا ينقص من قدر المعنى النفيس تمثيله بالشئ الحقير . ( 2 ) أدمج خلقه : لفه وأحسنه . ( 3 ) الجؤجؤ من الطائر والسفينة : الصدر والجمع جآجئ . ( 4 ) في الأصل كتبت بالألف المقصورة وهي خطأ . ( 5 ) يقله : يحمله ويرفعه . ( 6 ) ينسحج : أي ينتشر . ( 7 ) يتقصف : أي يتكسر . ( 8 ) الغريض : كل أبيض طرئ . ( 9 ) عجم العنب : ما كان في جوف العنب من النوى الصغير .