العبرة فيه واضحة كالذرة والنملة وما أشبه ذلك فإن المعنى النفيس قد يمثل
بالشئ الحقير ، فلا يضع منه ذلك ( 1 ) كما لا يضع من الدينار - وهو من
ذهب أن يوزن بمثقال من حديد .
( جسم الطائر وخلقته )
تأمل يا مفضل جسم الطائر وخلقته ، فإنه حين قدر أن يكون طائرا
في الجو ، خفف جسمه وادمج ( 2 ) خلقه ، واقتصر به من القوائم الأربع
على اثنتين ، ومن الأصابع الخمس على أربع ، ومن منفذين المزبل والبول
على واحد يجمعهما ، ثم خلق ذا جؤجؤ ( 3 ) محدد ، ليسهل عليه أن يخرق
الهواء كيف ما أخذ فيه ، كما جعلت السفينة بهذه الهيئة ، لتشق الماء وتنفذ
فيه ، وجعل في جناحيه وذنبه ريشات طوال متان ، لينهض بها للطيران ،
وكسا ( 4 ) ، كله الريش ، ليتداخله الهواء فيقله ( 5 ) ، ولما قدر أن يكون
طعمه الحب واللحم يبلعه بلعا بلا مضغ ، نقص من خلقة الإنسان
وخلق له منقار صلب جاسي يتناول به طعمه ، فلا ينسحج ( 6 ) من لفظ
الحب ، ولا يتقصف ( 7 ) من نهش اللحم ، ولما عدم الأسنان ، وصار يزدرد
الحب صحيحا واللحم غريضا ( 8 ) أعين بفضل حرارة في الجوف تطحن له
الطعم طحنا يستغني عن المضغ ، واعتبر ذلك بأن عجم العنب ( 9 )
هامش
( 1 ) أي لا ينقص من قدر المعنى النفيس تمثيله بالشئ الحقير .
( 2 ) أدمج خلقه : لفه وأحسنه .
( 3 ) الجؤجؤ من الطائر والسفينة : الصدر والجمع جآجئ .
( 4 ) في الأصل كتبت بالألف المقصورة وهي خطأ .
( 5 ) يقله : يحمله ويرفعه .
( 6 ) ينسحج : أي ينتشر .
( 7 ) يتقصف : أي يتكسر .
( 8 ) الغريض : كل أبيض طرئ .
( 9 ) عجم العنب : ما كان في جوف العنب من النوى الصغير .