يعمدون إلى الحب فيقطعونه قطعا . لكيلا ينبت فيفسد عليهم ، فإن أصابه
ندى أخرجوه فنشروه حتى يجف ، ثم لا يتخذ النمل الزبية إلا في نشز ( 1 )
من الأرض كيلا يفيض السيل فيغرقها ، وكل هذا منه بلا عقل ولا روية ،
بل خلقة خلق عليها لمصلحة من الله جل وعز .
أنظر إلى هذا الذي يقال له الليث ( 2 ) وتسميه العامة ( أسد الذباب )
وما أعطي من الحيلة والرفق في معاشه ، فإنك تراه حين يحس بالذباب قد
وقع قريبا منه . تركه مليا حتى كأنه موات لا حراك به ، فإذا رأى الذباب
قد أطمأن وغفل عنه ، دب دبيبا دقيقا ، حتى يكون منه بحيث تناله
وثبته ، ثم يثب عليه فيأخذه ، فإذا أخذه اشتمل عليه بجسمه كله ، مخافة
أن ينجو منه ، فلا يزال قبضا عليه ، حتى يحس بأنه قد ضعف واسترخى
ثم يقبل عليه فيفترسه ، ويحيى بذلك منه .
فأما ( العنكبوت ) فإنه ينسج ذلك النسج ، فيتخذه - شركا ومصيدة
للذباب ، ثم يكمن ( 3 ) في جوفه ، فإذا نشب فيه الذباب أحال ( 4 ) عليه
يلدغه ساعة بعد ساعة ، فيعيش بذلك منه .
فذلك ( 5 ) يحكي صيد الكلاب والفهود ، وهذا ( 6 ) يحكي صيد
الاشراك والحبائل .
فانظر إلى هذه الدويبة الضعيفة ، كيف جعل في طبعها ما لا يبلغه
الإنسان إلا بالحيلة واستعمال الآلات فيها ، فلا تزدري بالشئ إذا كانت
هامش
( 1 ) النشز - بفتحتين - المكان المرتفع جمعه نشاز وانشاز .
( 2 ) الليث : ضرب من العناكب والجمع ليوث ومليثة .
( 3 ) في الأصل المطبوع يتمكن وهو خطأ .
( 4 ) أحال : أقبل ووثب .
( 5 ) يعني به أسد الذباب .
( 6 ) يعني به العنكبوت وفي نسخة - هكذا - .