تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التوحيد — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
والقطا والإوز والكراكي ( 1 ) والحمام وسباع الطير جميعا ، وكلها لا يرى منها إذا ماتت إلا الواحد بعد الواحد يصيده قانص أو يفترسه سبع ، فإذا أحسوا بالموت كمنوا في مواضع خفية فيموتون فيها ، ولولا ذلك لامتلأت الصحارى منها حتى تفسد رائحة الهواء وتحدث الأمراض والوباء . فانظر إلى هذا بالذي يخلص إليه الناس ، وعملوه بالتمثيل ( 2 ) الأول الذي مثل لهم كيف جعل طبعا وأذكارا ( 3 ) في البهائم وغيرها ، ليسلم الناس من معرة ( 4 ) ما يحدث عليهم من الأمراض والفساد . ( الفطن التي جعلت في البهائم : الأيل والثعلب والدلفين ) فكر يا مفضل في الفطن التي جعلت في البهائم لمصلحتها ، بالطبع والخلقة ، لطفا من الله عز وجل لهم ، لئلا يخلو من نعمة جل وعز أحد من خلقه بعقل وروية ، فإن الأيل يأكل الحيات فيعطش عطشا شديدا فيمتنع عن شرب الماء ، خوفا من أن يدب السم في جسمه فيقتله ، ويقف على الغدير وهو مجهود عطشا ، فيعج عجيجا عاليا ، ولا يشرب منه ، ولو شرب لمات من ساعته . فانظر إلى ما جعل من طباع هذه البهيمة ، من تحمل الظمأ الغالب الشديد ، خوفا من المضرة في الشرب ، وذلك مما لا يكاد الإنسان العاقل المميز يضبطه من نفسه .
هامش
( 1 ) الكراكي جمع كركي - بضم فسكون فسكر - طائر كبير أغبر اللون طويل العنق والرجلين أبتر الذنب قليل اللحم . ( 2 ) المراد بالتمثيل ما ذكره الله تعالى في قصة قابيل . ( 3 ) في الأصل المطبوع ادكارا بالدال المهملة ، ولكن الأذكار أوضح وهو من قولهم ذكر الشئ : حفظه في ذهنه . ( 4 ) المعرة : الأمر القبيح والمساءة والإثم والأذى .
التوحيد — صفحة 63 | المفضل بن عمر الجعفي / كاظم المظفر