شرح
وممّا ذكر يُعلم حال ما قاله في « جامع المقاصد ( 1 ) والمسالك ( 2 ) » في وجه النظر ،
قال : ينشأ من تعارضهما فإنّ الأصل براءة الذمّة من أرش ذلك والأصل السلامة في العبد إلى حين إثبات اليد فتعارضهما أوجب التردّد . ثمّ قال : لا يخفى أنّ التعارض غير واضح ، لأنّ أصل السلامة من العيب يقتضي شغل ذمّة الغاصب بضمان جميع العبد ، ومع ذلك لا يبقى أصل البراءة لوجود الناقل عنه ، ولأنّ الأصل عدم تقدّم العيب ، وهو معنى ما أجمله في « الإيضاح ( 3 ) » وأنت إذا لحظت ما حرّرناه عرفت أنّ في كلامهم نظراً من وجوه .
وتحرير المسألة أن يقال : إنّه لمّا خلق تامّاً كما هو المفروض في كلامهم حيث يمثّلون بالعور ولم يمثّلوا بالكمه كان التمسّك بأصل السلامة تمسّكاً باستصحابه ، فمعناه إنّا نستصحب السلامة إلى حال رؤيته ، وقد رأيناه في يد الغاصب أعور ،
فيكون مضموناً عليه والعيب حدث بعد الغصب ، مضافاً إلى أنّه حادث ، والأصل تأخّره وعدم حدوث ما يوجبه قبل الغصب . وأمّا التمسّك بأصل البراءة فيكون باستصحابه وبه نفسه ، فمعنى التمسّك باستصحابه أن يقال : خلق هذا الغاصب وذمّته بريئة من هذا العيب فيستصحب إلى حال رؤيته ، وذلك يقضي بأنّه حدث قبل الغصب ، مضافاً إلى أنّ الغصب حادث والأصل تأخّره وعدم حدوث ما يوجب هذا العيب بعد الغصب ، فكانت الاُصول الستّة متعارضة ففزعنا إلى الترجيح المتقدّم . وقولهم « إنّ أصل البراءة متأخّر عن أصل السلامة ومقطوع به » غير صحيح على هذا التحرير . نعم لو تمسّكنا به نفسه الآن وقلنا الراجح الغالب البراءة لا بمعنى استصحابه تمّ ما ذكروه ، وهو الّذي أوقعهم في هذا الوهم . ويرشد إلى ذلك
هامش
( 1 ) جامع المقاصد : في الغصب ج 6 ص 262 - 263 .
( 2 ) مسالك الأفهام : في مسائل التنازع في الغصب ج 12 ص 249 - 250 .
( 3 ) إيضاح الفوائد : في الغصب ج 2 ص 179 .