شرح
المسألة اختلافاً شديداً وهي عامّة البلوى فوجب تحريرها وتنقيحها فنقول : ذهب
السيّد عليّ بن طاووس ( 1 ) إلى أنّ التنجيم من العلوم المباحات وأنّ للنجوم علامات
ودلالات على الحادثات لكن يجوز للقادر الحكيم أن يغيّرها بالبرّ والصدقة
والدعاء وغير ذلك من الأسباب ، وجوّز تعليم علم النجوم وتعلّمه والنظر فيه
والعمل به إذا لم يعتقد أنّها مؤثرة ، وحمل أخبار النهي والذمّ على ما إذا اعتقد ذلك
وأنكر على علم الهدى تحريم ذلك ، ثمّ ذكر لتأييد هذا العلم أسماء جماعة من
الشيعة كانوا عارفين به .
والّذي يُعرف من كتب الرجال وكلام السيّد المذكور وكتاب أبي معشر
الخراساني ( 2 ) صاحب كتاب " المدخل " وغيرهم أنّ من العلماء العالمين بالنجوم
هامش
( 1 ) فرج المهموم : في الباب الأوّل ص 11 - 41 .
( 2 ) هو جعفر بن محمّد بن عمر الفلكي البلخي الخراساني صاحب كتاب " المدخل الكبير "
أعلم الناس في عصره ( أواخر القرن الثالث للهجرة النبوية ) عمّر طويلا جاوز المائة ، أخبر
بواقعة في عصر المستعين بالله العبّاسي ، كره إظهارها للناس فضربه أسواطاً ، فكان أبو معشر
يقول : أصبت فعوقبت . له كتب كثيرة غير المدخل ، منها " القرانات " و " مواليد الرجال
والنساء " و " الدول والملل " و " الملاحم " و " إثبات النجوم " و " الزيج الكبير " و " الزيج
الصغير " وغيرها ، وتُرجم المدخل بلغات مختلفة . ذكر السيّد ابن طاووس ( قدس سره ) في " فرج
المهموم " نقلا عن كتاب " نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة " تأليف الشيخ محسن بن عليّ
التنوخي عن أبي الحسن بن أبي بكر الأزرق أنّه قال : كان في نواحي القُفْص - وهو بالضمّ ثمّ
سكون الفاء المتعقّب بالصاد اُخت الضاد قرية مشهورة بين بغداد وعُكبرا قريب من بغداد
وكانت موطن اللهو واللعب ومعاهد التنزّه ومجالس الفرح تنسب إليها الخمور الجيّدة
والخانات ، وقد أكثر الشعراء من ذكرها . ( معجم البلدان : ج 4 ص 382 ) - ضيعة نفيسة لعليّ
ابن يحيى المنجّم وقصر جليل فيه خزانة كتب عظيمة يسمّيها ( خزانة الحكمة ) يقصدها
الناس من كلّ بلد يقيمون بها ويتعلّمون صنوف العلم ، والكتب مبذولة في ذلك لهم ، والضيافة
مشتملة عليهم ، والنفقة في ذلك من مال عليّ بن يحيى ، فقدم أبو معشر المنجّم من خراسان
يريد الحجّ وهو إذ ذاك لا يحسن كثيراً من علم النجوم ، فوصفت له الخزانة فمضى إليها
ورآها فهاله أمرها فأقام بها وأعرض عن الحجّ وتعلّم النجوم وأغرب فيها .
قيل : كان أوّلا من أصحاب الحديث ، فجاء إلى بغداد ونزل بالجانب الغربي بباب
خراسان وكان أيضاً عن إسحاق الكندي ويغري به العامّة ويشنّع عليه بسبب توغّله في
العلوم الفلسفية ، فدسّ إليه الكندي من حسّن له النظر في علم الحساب والهندسة فدخل في
ذلك فلم يكمل له فعدل إلى علم النجوم ، فانقطع شرّه عن الكندي لعلمه أنّ هذا العلم من
جنس علوم الكندي . ويقال : إنّه تعلّم النجوم بعد مضي سبع وأربعين سنة من عمره . راجع
فرج المهموم : ص 157 - 158 ، والأعلام للزركلي : ج 2 ص 127 .