وفي ترجمة حمزة من الاستيعاب نقلا عن الواقدي ، قال :
لم تبك امرأة من الأنصار على ميّت بعد قول رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم : « لكنّ حمزة لا بواكي له » إلى اليوم ، إلّا بدأن بالبكاء على حمزة « 1 » .
قلت : حسبك تلك السيرة المستمرّة على بكاء حمزة من عهد رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم وعهد أصحابه والتابعين وتابعي التابعين لهم بإحسان ، وكفى بها في رجحان البكاء على من هو كحمزة وإن بعد العهد بموته .
ولا تنسى ما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « لكنّ حمزة لا بواكي له » من العتب عليهنّ لعدم نياحتهنّ عليه ، والبعث لهنّ على ندبه وبكائه ، وحسبك به وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم : « على مثل جعفر فلتبك البواكي » دليلا على الاستحباب .
ومع ذلك كلّه فقد كان من رأي الخليفة عمر بن الخطّاب النهي عن البكاء على الميّت مهما كان عظيما ، حتّى إنّه كان يضرب فيه بالعصا ويرمي بالحجارة ، ويحثي بالتراب ( 1 ) ، يفعل هذا على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم واستمرّ عليه طيلة حياته .
وقد أخرج الإمام أحمد من حديث ابن عبّاس ( 2 ) من جملة حديث ذكر فيه موت رقيّة بنت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم وبكاء النساء عليها ، قال : فجعل عمر يضربهنّ بسوطه ، فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : « دعهنّ يبكين » وقعد على شفير القبر وفاطمة إلى جنبه تبكي ، قال :
فجعل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يمسح عين فاطمة بثوبه ؛ رحمة لها . انتهى .
شرح
( 1 ) تجد فعله هذا كلّه في آخر باب البكاء عند المريض ص 255 من الجزء الأوّل من صحيح البخاري « 2 » .
( 2 ) في ص 335 من الجزء الأوّل من مسنده « 3 » .
هامش
( 1 ) - . الاستيعاب 374 : 1 ، الرقم 541 . وراجع أيضا المغازي للواقدي 317 : 1 .
( 2 ) - . صحيح البخاري 439 : 1 ، ح 1242 .
( 3 ) - . مسند أحمد 717 : 1 ، ح 3103 . ورواه الحاكم أيضا في المستدرك على الصحيحين 192 : 4 ، ح 4921 .