شرح
تعالى وإخلاصاً مع قصد الوجه أو غير ذلك . ولو لم تكن منقولة لم يكن لقولهم : هي
شرط في العبادات دون المعاملات ، معنى أصلا ، لأنّ الفعل الاختياري لا يمكن
صدوره بغير قصد ذلك الفعل وغايته . فلو كلّفنا الله تعالى بالفعل من دون القصد كان
تكليفاً بالمحال . والعبادات وغيرها في ذلك سواء ، فلا وجه لاشتراطها في
العبادات فقط . وأمّا على المعنى المنقولة إليه ، كما قلنا ، فإنّه يصحّ اشتراطها ، لأنّه
يجوز انفكاكها ، بل لا يتأتّى ذلك عن النفوس الأمّارة بالسوء إلاّ بمجاهدات كثيرة ،
ولذا ورد الحثّ على تخليص العمل .
قال : ومن هنا ظهر فساد ما في المدارك وغيرها من أنّ الخطب سهل في النيّة
وأنّ المعتبر فيها تخيّل المنوي بأدنى توجّه وأنّ هذا القدر لا ينفكّ عنه أحد ، وفساد
ما قيل : إنّ اشتراط النيّة من بدع المتأخّرين تبعاً للعامّة وإلاّ فالرواة والقدماء
ما كانوا يتعرّضون للنيّة أصلا .
قال : ووجه ظهور فساد هذا أنّ الإخلاص في العبادة شرط والرياء شرك .
والقدماء من الرواة والفقهاء صرّحوا بوجوب النيّة المذكورة وذكروا أخباراً كثيرة
بل متواترة كقوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « إنّما الأعمال بالنيّات » وقوله وقول الأئمة صلّى الله
عليه وعليهم : « لا عمل إلاّ بنيّة » وغير ذلك ممّا دلّ على حرمة الرياء وقصد غير الله
تعالى ولو بالشراكة وما دلّ على وجوب الطاعة لله سبحانه والحجج صلّى الله
عليهم . والأخبار في ذلك بعد الآيات الشريفة تزيد على التواتر . والإطاعة لا
تتحقّق إلاّ بالإتيان بالفعل على الوجه الّذي أراد وطلبه وبقصد أنّه أراده وطلبه .
فلو فعله لا بذلك لم يكن ممتثلا . نعم لم يذكروا ذلك في كلّ عمل وعبادة
كالمتأخّرين ، بل ذكروا ذلك بعنوان الكلّيّة والقاعدة لكلّ عبادة . والمتأخّرون لمّا
كان غرضهم الشرح التامّ وكشف المرام بالإبرام ، كما فعلوا ذلك بالنسبة إلى سائر
الأحكام ذكروا ذلك مع كلّ عبادة صوناً عن الجهل والغفلة ، شكر الله تعالى
مساعيهم الجميلة ، انتهى كلامه ، شكر الله تعالى عمله وأطال عمره . فكانت النيّة
عنده سهلة من حيث إنّها الداعي دون الحاضرة في البال صعبة من حيث الإخلاص .