من شرط صحّة الإبراء قبول المبَرأ أم لا ؟ قال قوم : من شرط صحّته قبوله ، فلا يصحّ حتى يقبل ، وما لم يقبل فالحق ثابت بحاله ، وهو الّذي نختاره ونقول به ، لأنّ في ابرائه من الحق الّذي له عليه منّة عليه وغضاضة ، ولا يجبر على قبول المنّة وتحمّل الغضاضة ، فإذا لم نعتبر قبوله أجبرناه على ذلك ، كما نقول في هبة العين له : انّها لا تصحّ إلّا إذا قبل ، وقال قوم : انّ ذلك يصحّ شاء مَن عليه الحق أو أبى ، لقوله تعالى : * ( فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ) * ( 1 ) فاعتبر مجرد الصدقة ولم يعتبر القبول ، وقال تعالى : * ( وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إلّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ) * ( 2 ) فأسقط الدية بمجرد التصدّق ، ولم يعتبر القبول ، والتصدّق في هذا الموضع الإبراء ( 3 ) . قلنا : امّا التمسك بهذا ضعيف عندنا لأنّه دليل الخطاب ، ودليل الخطاب عند المحصّلين من أصحابنا المتكلّمين في أصول الفقه لا يعملون به . هذا إذا وهبه لمن عليه الحق ، فان وهبه لغيره صحّ ذلك ، إلّا أنّه لا يلزم إلّا بالقبض . قال شيخنا أبو جعفر في مبسوطه : صدقة التطوّع عندنا بمنزلة الهبة في جميع الأحكام ، من شرطها الإيجاب والقبول ، ولا تلزم إلّا بالقبض ، وكلّ من له الرجوع في الهبة له الرجوع في الصدقة عليه ( 4 ) . هذا آخر كلامه . قال محمّد بن إدريس رحمه الله : هذا غير واضح ولا مستقيم ، لأنّ صدقة التطوّع
السرائر ( موسوعة إبن إدريس الحلي ) — صفحة 269
مساهمون: ابن إدريس الحلي
ص٢٦٩
هامش
( 1 ) - البقرة : 280 .
( 2 ) - النساء : 92 .
( 3 ) - قارن المبسوط 3 : 314 .
( 4 ) - المبسوط 3 : 314 .