وقد قلنا ما عندنا في ذلك من أنّه لا ينعقد إلّا أن يتلفّظ به ، وينطق مع النيّة أيضاً فلا يجزى أحدهما عن الآخر ، لأنّ هذا مجمع على انعقاد النذر به ، وليس على انعقاده بغير ذلك دليل ، لأنّ النذر حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي ، وأيضاً فلا تتعلّق الأحكام في معظم الشرعيات إلّا بما ينطق المكلّف به ، ويتلفّظ بذلك لسانه ، حتى يحكم عليه به ، من بيع أو طلاق أو هبة ، أو صدقة ، أو إقرار ، أو غير ذلك . إلاّ أنّ شيخنا أبا جعفر رحمه الله رجع عمّا ذكره في نهايته في مبسوطه في الجزء الرابع ، في كتاب الأيمان ، في فصل كفّارة يمين العبد قال : النذر ضربان : نذر تبرّر وطاعة ، ونذر لجاج وغضب ، فالتبرّر أن يعلّقه بابتداء نعمة أو دفع بليّة أو نقمة ، فابتداء النعمة أن يقول : إن رزقني الله ولداً أو عبداً فمالي صدقة ، وإن رزقني الحجّ فعليَّ صوم شهر ، ودفع النقمة قوله : إن شفى الله مريضي ، أو خلّصني من هذا الكرب ، أو دفع عنّي شرّ هذا الظالم ، فعليّ صدقة مالي ، أو صوم شهر ، فإذا وجد شرط نذره لزمه الوفاء به ، بلا خلاف ، لقوله عليه السلام : “ من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصيه ” غير أنّا نراعي أن يقول ذلك بلفظ لله عليَّ كذا ، لأنّ ما عدا ذلك لا ينعقد به نذر ولا يلحقه كفّارة ( 1 ) . هذا آخر كلامه رحمه الله .
السرائر ( موسوعة إبن إدريس الحلي ) — صفحة 104
مساهمون: ابن إدريس الحلي
ص١٠٤
هامش
( 1 ) - المبسوط 6 : 246 . والحديث رواه : البخاري ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجة ، وأحمد وغيرهم كثير ، راجع موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 8 : 577 .