ووجه بيعة النساء مع أنّهنّ ليس من أهل النصرة في المحاربة ، هو أخذ العهد عليهنّ بما يصلح شأنهنّ في الدين للأنفس والأزواج ، وكان ذلك في صدر الإسلام لئلا ينفتق بهنّ فتق لما صيغ من الأحكام ، فبايعهنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم حسماً لذلك ، وقيل انّه كان يبايعهنّ من وراء الثوب . وروي أنّه استدعى ماءاً فوضع يده فيه ، ثم أمر النساء أن يضعن أيديهنّ فيه ، فكان ذلك جارياً مجرى المصافحة بأخذ العهد ( 1 ) * ( عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ) * من الأصنام والأوثان * ( وَلا يَسْرِقْنَ ) * لا من أزواجهنّ ولا من غيرهم * ( وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ ) * يعني بكذب * ( يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ ) * ( 2 ) . وقال ابن عباس : لا يلحقن بأزواجهنّ غير أولادهم ( 3 ) . وقال الفراء : كانت المرأة تلتقط فتقول لزوجها : هذا ولدي منك ، فذلك البهتان المفترى ( 4 ) .
المنتخب من تفسير القرآن والنكت المستخرجة من كتاب التبيان ( موسوعة إبن إدريس الحلي ) — صفحة 259
مساهمون: ابن إدريس الحلي
ص٢٥٩
هامش
( 1 ) - قارن 9 : 587 وهذا ما ورد في كثير من التفاسير كتفسير الطبري والزمخشري والرازي والقرطبي وابن كثير وغيرها .
( 2 ) - قارن 9 : 588 .
( 3 ) - نفس المصدر .
( 4 ) - قارن 9 : 588 ، وذكر أصحاب التفاسير المذكورة آنفاً ومثلهم البيضاوي والخازن والنسفي والشربيني وابوحيان في تفسيره ، والبحر والنهر ، والجمل والآلوسي رواية بيعة النساء وفيها طرافة تعمّدوا التعتيم عليها والرواية باختصار ( أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لما فرغ يوم فتح مكة من بيعة الرجال أخذ في بيعة النساء وهو على الصفا ، وعمر بن الخطاب أسفل منه يبايعهنّ بأمره . . . وهند بنت عتبة متقنّعة متنكّرة خوفاً من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يعرفها فقال ( عليه السلام ) : أبايعكنّ على أن لا تشركن بالله شيئاً . . . ولا يسرقنّ . . . فقال : ولا يزنينّ فقالت هند : وهل تزني الحرّة ؟ وفي رواية ما زنت منهنّ امرأة قط . . . فقال ( عليه السلام ) : ولا يقتلن أولادهنّ ، فقالت : ربّيناهم صغاراً وقتلتهم كباراً فأنتم وهم أعلم - وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قتل يوم بدر - فضحك عمر حتى استلقى - وتبسم رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . . . واللافت للنظر هنا ضحك عمر حتى استلقى عند قول هند ربّيناهم صغاراً وقتلتهم كباراً ، وليس في هذا ممّا يستدعي إلى غلبة الضحك حتى الاستلقاء ثم تبسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكن ما من دخان إلاّ من وراء نار ، فإن ابن الطقطقي ذكر في كتاب الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية : 104 وقد ذكر بيعة النساء وأقوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى قال : وعلى أن لا تزنين ، قالت : وهل تزني الحرة ؟ قالوا : فالتفت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلى العبّاس ( رضي الله عنه ) وتبسّم . وهذا ما كشف عنه الزمخشري أيضاً في ربيع الأبرار 3 : 551 باب القرابات والأنساب ط أوقاف بغداد من طرف خفي فقد قال :
وكان معاوية يعزى إلى أربعة : إلى مسافر بن أبي عمرو ، وإلى عمارة بن الوليد ، وإلى العباس بن عبد المطلب وإلى الصباح مغني أسود كان لعمارة ، قالوا كان أبو سفيان دميماً قصيراً ، وكان الصباح عسيفاً لأبي سفيان شاباً وسيماً فدعته هند إلى نفسها .
وهذا - فيما يبدو - كان يعرفه بعض الناس حتى في أيّام معاوية ، فقد روى الكلبي أنّه جرى كلام بين يزيد بن معاوية وإسحاق بن طابة بن عبيد ، بين يدي معاوية وهو خليفة ، فقال يزيد لإسحاق : إنّ خيراً لك أن يدخل بنو حرب كلّهم الجنة - إشارة إلى أنّ أم إسحاق كانت تتهم ببعض بني حرب - فغالطه إسحاق وقال : إنّ خيراً لك أن يدخل بنو العباس كلّهم الجنة ، فلم يفهم يزيد وفهمها معاوية ، فأنّّب بعدها يزيد وقال : كيف تشاتم الرجال قبل أن تعلم ما يقال فيك ؟ قال : قصدت شين إسحاق قال : وهو كذلك أيضاً ، قال : وكيف ؟ قال : أما علمت أنّ بعض قريش في الجاهلية يزعمون أنّي للعباس ، فسقط في يدي يزيد . المثالب للكلبي : 20 مخطوطة السماوي .
وجاء فيه أيضاً عن أبي صالح عن ابن عباس قال : لما أتى النساء النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يبايعنه أتته هند فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كلام البيعة : ولا تزنين ، فقالت : يا رسول الله وهل تزني الحرة ، فنظر النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلى عمر بن الخطاب فتبسّم .
إذن تبيّن بوضوح وجه ضحك عمر حتى استلقى حين سمع من هند قولها : ( وهل تزني الحرة ؟ أو ما زنت منهنّ امرأة قط ) فإنّه من زائريها في الجاهلية كما كان العباس كذلك .