فأما قبل حصوله فإنّما يكون ( هو ) تعالى العالم وحده ، فصحّ حينئذٍ ظاهر الآية ( 1 ) . وهذا وجه رابع ، على أنّ قوله : * ( إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ) * لا يدلّ على حدوث العلم ، لأن كان قبل ذلك عالماً بأنّ الاتباع سيوجد أو لا يوجد ، فإن وجد كان عالماً بوجوده ، وإن لم يتجدّد له صفة وإنّما تجدّد المعلوم ، لأنّ العلم بالشيء سيوجد علم بوجوده إذا وجد ، وإنّما يتغيّر عليه الاسم ، ويجري ذلك مجرى تغير الاسم على زمان بعينه ، بأن يوصف ( بأنّه غد ) قبل حصوله ، فإذا حصل قيل : إنّه اليوم ، وإذا تقضّى وصف بأنّه أمس ، فتغيّر عليه الاسم ، والمعلوم لم يتغيّر ( 2 ) .
وقوله : * ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ) * قيل في معناه أقوال :
أولها : قال ابن عباس وقتادة والربيع : لما حوّلت القبلة قال ناس : كيف بأعمالنا التي كنّا نعمل في قبلتنا الأولى ؟ وقيل : كيف بمن مات من إخواننا قبل ذلك ؟ فأنزل الله : * ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ) * ( 3 ) . وهذه الآية فيها دلالة على جواز النسخ في الشريعة بل على وقوعه ، لأنّه قال : * ( وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا ) * فأخبر أنّ الجاعل لتلك القبلة كان هو تعالى ، وأنّه هو الّذي نقله عنها ، وذلك هو النسخ ( 4 ) .