وثالثها : أنّ الفضيلة قد تكون بعد أداء الفريضة ، والمراد الفضيلة المذكورة هاهنا ما خصّ كل واحد منهم من المنازل الجليلة التي هي أعلى من منزلة غيره ( 1 ) . وقوله : * ( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا ) * اخبار عن قدرته على إلجائهم على الامتناع من الاقتتال ، أو بأن يمنعهم من ذلك ، هذا قول الحسن وغيره ( 2 ) . وجملته : أنّه أخبر أنّه قادر على أن يحول بينهم وبين الاقتتال بالالجاء والاضطرار ، ومثله : * ( وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ) * ( 3 ) * ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ) * فإنّ جميع ذلك دلالة على قدرته عليهم ( 4 ) . ولا يدل قوله : * ( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا ) * على أنّه قد شاء اقتتالهم ، لأنّه إذا احتمل الكلام وجهين : أحدهما يجوز عليه ، والآخر لا يجوز عليه ، وجب حمله على ما يجوز حمله عليه دون ما لا يجوز حمله عليه ، فلذلك كان تقدير الكلام ولو شاء الله امتناعهم بالالجاء ما اقتتلوا ( 5 ) . ونظيره قول القائل : لو شاء السلطان الأعظم لم يشرب النصارى الخمر في سلطانه ، ولا نكحت المجوس الأمهات والبنات ، وليس في ذلك دليل على أنّه قد شاءه ( 6 ) .
المنتخب من تفسير القرآن والنكت المستخرجة من كتاب التبيان ( موسوعة إبن إدريس الحلي ) — صفحة 135
مساهمون: ابن إدريس الحلي
ص١٣٥
هامش
( 1 ) - نفس المصدر .
( 2 ) - قارن 2 : 304 .
( 3 ) - السجدة : 13 .
( 4 ) - قارن 2 : 304 ، والآية في سورة يونس : 99 .
( 5 ) - قارن 2 : 304 .
( 6 ) - نفس المصدر .