انّ رجلًا طويل القامة ، غزير الشعر ، أسود اللون ورد بيته ، فهذا هو المعلوم بالذات ، والموضوع ، على التحقيق ، وأمّا قوله : إنّ سارقاً دخل البيت ، فممّا لم يشاهده وإنّما انتقل إليه بإعانة أُمور وهمية أعانت الخيال على الانتقال إليه .
وههنا أحكام ونسب حكمية ، ليست على نسق واحد بل تختلف بالصواب والخطأ ودونك بيانها :
1 - الحكم بأنّ رجلًا دخل البيت بما له من الأوصاف وهذا صحيح .
2 - السارق والأخ مشتركان في الأوصاف المذكورة وهذا أيضاً صحيح .
3 - الحكم بأنّ سارقاً دخل البيت ، وهذا أيضاً صحيح لكن في ظرف الخيال ، أيفي الظرف الذي تخيّل القوى الإدراكية انّ السارق والأخ لأجل اشتراكهما في الأوصاف شخص واحد ، وانّ الموضوعين موضوع فارد ، فهذا الحكم في الجو الذي ليس فيه أثر عن المقايسة إلى الخارج صحيح .
4 - الحكم بأنّ سارقاً دخل الدار إذا قيس إلى الخارج الذي ليس
هامش
-
إبطال الأصل الثاني ( أصالة الجزم ) إذ عند ذاك لا يستطيع أن يفرغ آراءه في قالب الجزم واليقين ، ولا يجوز له أن يقول : إنّ الوجود يساوق المادّة ويساويها .
ولو بنى على أنّ الفروض والمسائل الحسّية كلّها قطعية كما يقول بها الفلاسفة العقليّون في البديهيّات ، فماذا يصنع بهذه الفروض والمسائل التي تكتسي كل يوم ثوباً آخر ، وتفرغ في قالب آخر ، وتتبدّل بأصلها وفرعها .
هذا هو الموقف العصيب الذي واجهه المادّي وحار فيه فكره ولم ير مخلصاً إلّا الالتجاء إلى الشق الأخير ، غير انّه صحّح قطعية الفروض العلمية وثباتها ، بالتمسك بتكامل المفاهيم وانّه لا مانع من اجتماع الضدّين والصحّة والخطأ وقال :
إنّ الآراء الموروثة من الأقدمين والدارجة في أعصارنا كلّها حقائق وإن كان يناقض بعضها بعضاً ، فالرأي الدارج في القرن التاسع عشر من انّ الذرة أبسط الأشياء غير مركّبة من شيء صحيح كما انّ الرأي الدارج في القرن العشرين من تركّبها من نواة الذرة