وعامّة تلك الأقضية تدور حول الأثر المادّي الموجود في العضو الحاس قبل أن نجعله طريقاً إلى واقع سواه قبل أن نستكشف به عن مرئي يحكى عنه ، وهذا المقدار لا يكفي في الاتصاف بالصدق والكذب وإن بلغ ما بلغ ما لم ينضم إليه حديث التطبيق والمقايسة التي هي ثالثة المراحل .
ثالثتها : بعد ما وقفت على المرحلتين وعرفت أنّه ليس من الصدق والكذب فيهما عين ولا أثر هلمّ معي نحاسب المرحلة الثالثة .
إنّ القوة الحاكمة تجد الاختلاف البارز بين الصور العلمية ، تجد أنّ بعضها على نظام خاص ، لا يوجد إلّا في ظروف خاصة ، ولا يكفي في وجوده اقتراح التفكير الإنساني ، وتخيّله ، بل يتوقّف على مقدّمات وأُمور وراء اقتراحه . وانّ بعضها منها ، لا يتوقّف إلّا على الاقتراح وإرادة الإنشاء والإيجاد .
فهذا التطور والانقسام ، يوقفه على أنّ بعض المدركات الذهنية تلقى إليه من جو آخر ، وراء القوى الإدراكية وانّ قسماً آخر ، لا يناله الإنسان إلّا
هامش
-
وعلى ذلك يلزم أن تكون الصورة الذهنية من الجوهر جوهراً ، ومن الكمّ كمّاً ، وهكذا ، وعلى هذا يلزم أن تترتّب عليها عامّة ما يترتّب على مصاديقها الخارجية وتتّصف الصورة الذهنية بألوان من الأوصاف ، وأقسام من الأحكام ، أي بأحكام الكمّ والكيف والجوهر مع أنّها ليست إلّا كيفيّات نفسانية ، وليس لها من الآثار غير آثار الكيف النفساني فقط .
وقد أجاب الفطاحل من الفلاسفة عن تلك الشبهة بأجوبة ، أوضحها وأحسنها وأتقنها ما حرّره صدر المتألّهين ، ونحن نذكر لبّ جوابه بعد حذف مقدماته :
قال : إنّ الجواهر الذهنية ليست جوهراً بالحمل الشائع حتى يترتّب عليها ما يترتّب على الجوهر الذي يعدّ جوهراً بالحمل الشائع ، بل هو جوهر بالحمل الأوّلي فلا حظّ لها من الجوهرية سوى كونها مفهوم الجوهر وانّ حد الجوهر وماهيّته يصدقان عليها كما يصدق على المصداق الخارجي ومثلها ، الكم والكيف الذهنيّان ، فالكم الذهني كم بالحمل الأوّلي لا غير . ولا تترتّب الآثار المترقّبة إلّا على ما يعد كيفاً أو كماً بالحمل الشائع .