الثالث : أنّ المفاهيم التصورية عامتها من ولائد الحس ، وهي إمّا أن تؤخذ من الواقعية الخارجية ، بواسطة الحواس كالصور الجزئية ، أو تنتهي إليها أخيراً كالمفهوم العام ( الإنسان ) فإنّ الحس وإن كان لا ينال الكلّي من الخارج بنعت الكلّية ، إلّا أنّه يناله منه بالوسائط ، فإنّ الصورة المحسوسة الواردة إلى الذهن من الخارج ، تستعقب حدوث صورة خيالية وعند ذاك يستطيع الذهن أن ينتزع مفهوماً عاماً كلياً منها بتجريد وتقشير ، ولأجل ذلك ينتهي إدراك الكلّي إلى الحس أيضاً .
وإن شئت فاستوضح المقال من المثال التالي :
إنّ القوة اللامسة المبثوثة في الأعضاء تحس حرارة جزئية متشخصة بالزمان والمكان باقية في العضو مدة معينة زائلة عنه بعد مضيها ، وهذه هي الصورة المحسوسة ، وتورث تلك صورة خيالية منها ، تشارك المحسوسة في كونهما من ماهية واحدة ، ولكل منهما صورة جزئية متشخصة ، وتفارقهما في أنّ للخيالية ثباتاً بل تجرداً خيالياً ، ولذلك يستطيع الإنسان بإحضار ما أحسّه من الحرارة فيما مضى بعد لأيمن الدهر وحين من الزمن .
ثمّ إنّ القوة العقلائية التي لها قوة التجريد والتقشير ، تستطيع وتقدر على أن تُجرّد الخيالية من كافة العوارض واللواحق ، بحيث لا يبقى بعد التجريد شيء غير كونه مفهوم الحرارة التي هي عنوان عام يصدق على الكثير وهي مفهوم عام أو صورة عقلية لها ، قابلة للصدق على كثير لما أنّها عنوان عام لكافة مصاديقها ، منزّهة عن وصمة التغيّر والتبدّل ، فاقدة كل ما يعد عوارض وتشخصات .
أصول الفلسفة — صفحة 189
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٨٩