التوقّف عن وجود الرابطة بين الصورتين ( المحسوسة والمعقولة ) ، إذ على هذا لا يكاد يتوفّق الذهن إلى التجريد والتقشير قبل لحاظ الصورة المحسوسة .
ولو كان الثاني ، بأن لا تكون الصورة المحسوسة مبدأً لإدراك المفاهيم الكلّية فهو وإن كان ينفي المطلوب ، إلّا أنّه يستلزم أن لا تكون الصور الكلية صوراً علمية حاكية عن معلوم سواها ، مع أنّ الصور جميعاً جزئيها وكلّيها صور علمية بالفرض .
بيانه : انّ الصورة الذهنية إنّما تتصف بالعلمية إذا اقترنت بالقياس بأن تقاس إلى معلومها ، وتنحدر إليه عند المقايسة ، فلو كان المفهوم العام الكلّي ( الإنسان ) مما صنعه الذهن من عند نفسه من دون قياسه إلى فرده وانتزاعه منه ، لصارت الصورة إحدى الواقعيّات غير العلمية في عرض الصورة المحسوسة لا في طولها ، ولا يصح أن يقال : إنّ كل واحد منها عين الأُخرى غير أنّهما يفترقان في ترتّب الأثر وعدمه .
وبعبارة واحضة : أنّ المفهوم العام ( الإنسان الكلّي ) إذا صنعه الذهن من عند نفسه من دون أن يجعل الفرد وجهة ومقيساً عليه ، يسلب عنه وصف الكشف والإرادة ، ولا يصح أن تقول : إنّ المفهوم الكلّي إنسان مسلوب عنه أثر الشخصية ، إذ أيّ ربط بينهما بعد حذف المقايسة حتى يوصف واحد منهما بالأثر والآخر بعدمه .
وإن شئت قلت : لو فرض استقلال القوى المدركة في تصوّر الكلّي بلا استمداد من الجزئيات ، يصير المفهوم الكلّي أمراً واقعياً كإحدى الواقعيات ، وينخرط في صفوف الموجودات الحقيقية ولا يكون حاكياً ولا محكياً .
نعم ، يمكن إطلاق الصورة العلمية عندئذ عليها مع كونها لا حاكية
أصول الفلسفة — صفحة 187
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٨٧