الزمان الثاني بعينه بلا تفاوت أصلًا ، فلو كان وجودها متقوماً بالزمان ومحدوداً به وجب أن تختلف حقيقة الإدراكين والمدركين ، فإنّ الموجود الزماني الذي يحدده الزمان ويقوّم وجوده لا يبقى على نسق واحد في زمانين .
وهذا هو المراد من أنّ النفس والصور العلمية وسائر المجرّدات غير زمانية ، مع أنّ وجوداتها مقرونة بالزمان ، وسيوافيك توضيحه في مجاله إن شاء اللَّه .
تتميم لما سبق من القصد :
ما مر من البراهين على تجرد الإدراكات وتنزّهها عن المادة وآثارها ، لا يختص بالصور الذهنية ، بل يجري في مورد آخر وهو علم ذاتنا بذاتنا وحضور ذاتنا لدى أنفسنا ، وقد دلّت التجاريب الوافرة على وجود هذا الإدراك في الأحياء وفي طليعتها الإنسان « 1 » .
هامش
( 1 ) . إلى هنا تمّ البحث عن عوارض الروح وحالاتها وأفعالها وأعمالها وتبيّن أنّها ليست مادّية لانتفاء ما هو الأثر العام للمادّة ولكن الأولى تتميم هذا البحث الضافي بالبحث عن نفس الروح أهي مادّية أو مجرّدة ؟ وهذا هو الذي انعقد لأجله هذا البحث .
إنّ الفلاسفة الإلهيين قد أقاموا براهين كثيرة على تجرّدها يخضع عند كثيرها كل حكيم منطيق ، غير أنّ المؤلف - دام ظله أورد في المتن أبسط البراهين وأوضحها ، حتى يقف عليه كل من له أدنى إلمام بالمباحث الفلسفية ، وأوّل من أوضحه وفصله ، هو الشيخ أبو علي ، ونحن نكتفي بتوضيح استدلاله :
لا يختلف المادّي والروحي في أنّ كل إنسان يجد في نفسه انّه عالم بذاته وأنّ ذاته حاضرة لديه بلا ستار وحجاب ، وإن شئت قلت : كل واحد منّا شاعر بذاته ، مطّلع عليها ، عاقل نفسه ، ومميّز ذاته عن غيره وانّ من الواضحات عنده انّه موجود ( أنا موجود ) .
نعم ، هذه الجملة مع كونها من أوضح الواضحات ، فيها نقطة ظلماء وهي ما حقيقة هذا المبتدأ ( أنا ) وما كنهه أهو مادي أو مجرد ، أهو مستقل عن المادة أو لا ؟ وهذا هو الذي نجعله مطرحاً للأنظار .
ومن هنا يعلم أنّ الجملة المأثورة عن الحكيم « ديكارت » التي طبق الخافقين ذكرها حيث استدل على وجوده بفكره وقال : ( حيث إنّي أُفكر فأنا موجود ) ، غير سديد فإنّ كونه موجوداً أوضح من كونه متفكراً فهو أشبه شيء بالاستدلال بالأخفى على الخفي أو بالواضح على الأوضح ، والحاصل : قوله ( أُفكر ) يشتمل على فعل وفاعله والاطّلاع على فعل نفسه فرع الاطّلاع على فاعله وذاته .
وليعلم : انّ الروح عند الروحيّين ، موجود مجّرد يتكوّن من تكامل المادّة من طريق الحركة الجوهرية وهو في عين تعلّقه بالبدن ، جوهر مستقل وأمّا الروح عند المادّي فلا تتجاوز حقيقتها عندهم عن تشكّل أجزاء البدن وارتباطها واجتماعها ، والخواص التي تترتّب على تلك الأجزاء المتشكّلة عندهم عوارض روحية وخواص نفسانية .
فلنرجع إلى الأصل الذي انعقد لأجله هذا البحث وهو ما حقيقة ذاتنا التي نعبر عنها ب ( أنا ) ولننقل بعض الآراء :
ماذا يقول الحسّيون ؟
بما أنّهم قد جعلوا الحجر الأساسي للمعرفة الصحيحة هو الحس والتجربة ، فلم يقبلوا سوى ما أثبتته التجربة وأيّده الحس وأمّا ما سوى ذلك فقد جعلوه في بوتقة الإجمال لا معترفين بثبوته ولا منكرين وجوده ، وبما أنّ الحس لا ينال سوى العوارض والحالات ، والأعمال والأفعال ، قالوا : كل واحد منّا لا يشير بقول « أنا » إلّا إلى عدة من الإدراكات والعلوم المتراكمة بعضها فوق بعض التي نال بها من طريق الحس والتخيّل ، وهل الذات إلّا هذه الإدراكات ؟ وأمّا الذات بمعنى الجوهر المستقل سواء كان مجرّداً أو مادّياً فلم يدل على وجوده دليل من الحس والتجربة ، إذ الحس لا ينال سوى العوارض والحالات ، والجوهر المستقل المنفصل عن حالاته لا يناله الإنسان بهذه الأجهزة التي أخذها الإنسان وسيلة لكشف الحقائق .
والعجب من المادّيين حيث جعلوا الأصيل في الخارج هي المادّة مع أنّهم تبعوا الحسّيين في مقامين :
أجعلوا الحجر الأساس للمعرفة الكاملة : الحس والتجربة ، مع أنّ الحس لا ينال به المادّة الخارجية ، أيالجوهر المصدر لعوارض وحالات للمادّة .
ب عرّفوا الذات الإنسان بمثل ما عرفه الحسّيون من أنّه عبارة عن عدّة إدراكات وعلوم تتوارد عليه من طرف الحس ، فراجع في تفصيله إلى ما كتبه الدكتور « أراني » في « بسيكولوجي » .
مقالة الروحيّين :
إنّ المشار إليه ب « أنا » ذات وحداني ، غير مركّب من إدراكات متوالية ، وإنّما الإدراكات عوارضه وحالاته ، والدليل عليه أُمور :
أكل واحد منّا ينسب إلى نفسه عامّة إدراكاته وأعماله ويقول : أُفكّر ( أنا ) أسمع ( أنا ) أضرب ( أنا ) ، ولا ريب أنّ المنسوب غير المنسوب إليه ، فلو كانت الذات عبارة عن نفس هذه الإدراكات لاتحدّ المنسوب والمنسوب إليه ، والعلم بصحة هذا الاسناد لا يقصر عن العلم بكونه موجوداً .
ب كل واحد منّا إذا بلغ الأربعين يعلم بأنّ ذاتاً واحدة مرّت عليه الحقب والأعوام وأنّه هو الذي كان رضيعاً ، صبياً ، غلاماً يافعاً ، شاباً ، وكهلًا و . . . ، ويجد في وجدانه أنّ هنا ذاتاً واحدة طرأت عليها هذه الأحوال والعوارض .
فلو كانت حقيقة الذات نفس الإدراكات الواردة على نحو التدرّج طيلة سنين ، لامتنع ادّعاء العينية ، فعندئذ يكون الذات أشبه شيء بالسلسلة التي لها حلقات منتظمة ، فإنّ مثل الأفكار المتدرجة ، كالحلقات المتسلسلة غير أنّ التقدّم والتأخّر في السلسلة مكاني وفي الأفكار زماني ، فكما لا يمكن القول بأنّ آخر السلسلة عين أوّلها ، فهكذا المقام ، لا يمكن القول بأنّ البالغ عين الرضيع الذي كان نائماً في مهده .
أضف إلى ذلك : أنّ الحكم بالعينية لا يحتاج إلى إعادة خاطرة من الخواطر وما تواردت عليه من الأفكار ، فلو صح ما يقول النسبيون : إنّ حقيقة الذات لا تتجاوز عن كونها أفكاراً متسلسلة في عمود الزمان ، لاحتاج الحكم بها إلى إعادة خاطرة من الخواطر حتى يتصوّر به الذات ويحكم بأنّه في ذلك الزمان عين الذات الفعلي . . .
ج انّ الإدراك عند المادّيين لا يتجاوز عن انفعال الأجزاء الدماغية مع الدماغ وما فيه ، ثم لم يزل يتبدّل ويتغيّر ، ويفنى ويقوم مقامه غيره ، فلو كانت حقيقة الذات قائمة بنفس الإدراكات أو الأجزاء الدماغية ، لامتنع الحكم بالعينية ، وانّه هو الصبي الذي كان يوماً ما يمشي ويلعب بلا زيادة ونقصان ، بلا تبدّل وتغيّر ، مع أنّ كل واحد يحكم بوجدانه أنّه هو وأنّه لم يتغيّر ولم يتبدّل ، لم ينقص ولم يزد .
وما ذكرنا من الوجوه كلّها يرجع إلى برهان واحد ، وهو العلم بالذات غير أنّا قرّرناه من طرق مختلفة ، تارة من طريق الاتحاد وأُخرى من جانب العينية وثالثة من ناحية الثبات وانّه لم يطرأ عليه التغيّر .