ما جاء به بعض علماء النفس :
من عجيب القول ما أتى به بعض علماء النفس حيث زعم تجرّد الصور العلمية وعامّة التفكيرات والإدراكات عن خواص المادّة سوى الزمان واعتقد أنّ الزمان يلازمها ، والعلوم والمعارف كلّها زمانية مقيدة بسلاسله .
ولكن هذا الباحث لو كان واقفاً على ما حقّقه الفلاسفة الإسلاميين في حقيقة الزمان ، لما اختار هذا الرأي ، ولو كان باحثاً عن واقعية الزمان وسنخ وجوده ومبدأ حصوله ، لعرف أنّ نفي سائر الآثار المادية عن الإدراكات مثل التغيّر والحركة والانقسام يستلزم نفي ذلك الأثر ( الزمان ) ولو صحّ كونها زمانية استدعى ذلك كونها متحرّكة متغيّرة « 1 » .
هامش
( 1 ) . ما نقله عن بعض علماء النفس هو الذي ملأ كتبهم ورسائلهم من أنّ الروحيات ومنها الصور العلمية ، زمانية لا مكانية ، إذ لا يمكن أن يقال : إنّ تلك الخاطرة ، أو هذه القصيدة مخزونة في نقطة كذا من المخ . نعم هي زمانية ، لأن حدوثها وانعدامها لا ينفكّان عن الزمان ، لأنّها تحدث في زمان خاص ، وتنعدم كذلك .
ولكنّه مبنى على تسامح من قائليه ، ومن كان له أدنى إلمام بالفلسفة المتعالية ، التي أسّسها صدر المتألّهين وبما حقّقه الفطاحل من علماء الغرب حول حقيقة الزمان والتغيّر ، يقف على قيمة هذا الرأي في الجوامع العلمية وانّه ساقط جدّاً ، وقد حقّق شيخنا المؤسس ( صدر المتألهين ) أنّ المادّة والمادّي جواهر سيالة متغيّرة وأنّ التغيّر والزمان توأمان يرتضعان من ثدي واحد ، وأنّ كون الشيء مادّياً يلازم كونه متغيراً زمانياً ، فكون الشيء مادّياً غير زماني ، أو غير متغير أمر غير معقول عنده ، كما أنّ كون شيء زمانياً بلا تغيّر في ذاته كذلك .
وإن شئت قلت : إنّ التغيّر ( الحركة ) والزمان داخلان في جواهر الشيء المادّي ولسان من عوارضه وانّ الزمان من مشخّصات الجوهر المادّي كما أنّ التغيّر الذي يعتريه كذلك .
وقد وافقه في هذا النظر جماهير من مشاهير الغرب ، إلى أن عدّوا الزمان بعداً رابعاً للوجود المادّي ، فعندئذ فلو كانت الأُمور الذهنية غير متغيّرات حسب الفرض ، فيلزم عدم كونها زمانية ، للتلازم بينهما وجوداً وعدماً .