الموجود ذات أجزاء من خصائص المادة حسب ما عرفت بيانه ، ولا أظن المادّي المخبت إلى الحقائق والخاضع للعرفان الصحيح ، أن يستقر على رأيه إذا وقف على ما أسلفناه .
هب أنّ حقيقة العلم هي الآثار المادّية البارزة عند تقابل المادّتين وتفاعلهما ، ككون البحيرة عين هذه النقط السوداء في الصفحة الكارتونية والأشجار عين تلك . . .
غير أنّ مشكلة الانتقال من هذه النقط السوداء إلى مصاديقها وذواتها المحكية بعد باقية ، إذ كيف يجوز للمدرك أن ينتقل من هذه الآثار الدماغية إلى مصاديقها ، ويقول : إنّ هذا مثال ما برز في الدماغ ، مع أنّهما ليسا من سنخ واحد .
وربّما يُتمحّل المادّي في حل الإعضال وتصحيح الانتقال من وليد المادّتين إلى المادّة الخارجية ، بتشبيه المقام بالتمثال الشمسي ، « بإنّ الناظر يهتدي ( إذا أطلّ بنظره إلى النقاط السوداء التي سجلتها عدسة المصوّر في الصفحة الكارتونية ) إلى الذوات المحكية عنها بها » غير أنّ ذلك قياس مع الفارق ، إذ الذوات المحكية عنها مثل البحيرة والعائلة المنتزهة حول الروض العبق ، والتلال المصفوفة مشهودة معلومة لنا قبل أن نطل بنظرنا إلى التمثال ، ولأجل تلك المشاهدة والعرفان يصح لنا أن نحكم على النقط السوداء بأحكام مختلفة ونقول : إنّها تحكي عن بحيرة ، وتلك عن الأشجار وهكذا « 1 » .
هامش
( 1 ) . قد تقدّم توضيح مقالة المادّي حول حقيقة الإدراك والعلم والمعلوم في خاتمة المقالة الثانية وحاصله : أنّ العلم والمعلوم ( الشيء الخارجي ) متباينان وجوداً وماهية ، ولا تجد بينهما أيرابط غير التوليد ، وقد أوضحنا هناك أنّ ما ادّعاه المادّي تجرّه إلى السفسطة ، إذ لو كان العلم غير المعلوم وجوداً وماهية ، لزم سلب صفة الكاشفية عن العلوم والإدراكات كلّها وما تمسّك به المادّي من أنّ الاعتقاد بكون العلم وليد المعلوم الخارجي يكفي في الاهتداء إلى الخارج ضعيف جداً ، لأنّ القول بأنّ لهذه الصورة الذهنية مصداقاً في الخارج فرع تصوّر الخارج والاهتداء إليه قبل ملاحظتها ، ولو فرضنا أنّ كلّما في الذهن غير الخارج من جميع الجهات فمن أين علمنا بالخارج ، ومن أين وقعنا على أنّ تصوّراتنا هذه مصداقاً حقيقياً ، فعندئذٍ يعد التطرّق إلى الخارج من الخواطر المستحيلة .