الحال كذلك إذا نظرنا إلى المرآة لنطّلع على ما في الوجه والرأس من أوضاع وأحوال غافلين عن أنّها زجاجة صيقلية ، بل لا ترى في ذلك النظر إلّا عارضك و . . .
( الثاني ) : أن تطل عليها بنظرك من دون أن تجعلها حاكية عن شيء وراءه فلا ترى حين ذاك إلّا صفحة كارتونية قد تنقطت بنقط سوداء قد توزعت على طول سطحها .
لكن حقيقة الإدراك والعلم لا تنطبق على النظر الثاني قط ، لأنّ جوهر العلم هو الكشف والإظهار عن الشيء بحيث لا يلاحظ عند العالم إلّا أمراً آلياً ، ولا يقع بنفسه مجالًا للنظر ، وهذه الأحكام مسلوبة عن الوجه الثاني ، إذ على هذا الوجه لا ترى فيها بحيرة ولا تلالًا ، بل تنظر إليها بما هي هي ، فلا ترى فيها سوى النقط السوداء ، ولا تلاحظ الصحيفة إلّا بالنظر الاستقلالي .
وأمّا الوجه الأوّل فهو يمثل حقيقة العلم لمن أراد أن يستطلع الحقائق من طرق الأمثال ، وإن اشتهر أنّ المثال يقرب من وجه ويبعد من ألف .
هلم معي نحاسب مدى البيان الذي تلوناه عليك من الماديين حتى تقف على مغزاه ، وتعرف بوضوح أنّ ما أصّر عليه في توجيه حقيقة العلم لا ينطبق إلّا على الأمر الثاني ، الذي هو بمراحل عن واقعية الإدراك بل لا مساس لها بحقيقة العلم ، وأنّ بين الأمرين بوناً شاسعاً لا يقصر عن بعد السماء من الأرض ! ! !
وإن شئت فلاحظ البيان الماضي مرة أُخرى فإنّ الاكتفاء في تفسير حقيقة العلم بالآثار المادية البارزة في مراكز الإدراك ، وقصر النظر بها ، كالنظر إلى النقط السوداء التي احتوتها الصفحة الكارتونية ، وملاحظتها بما أنّها آثار حدثت في سطح الصحيفة .
أصول الفلسفة — صفحة 162
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٦٢