والحاصل : أنّ النظرة الأُولى تنطبق على حقيقة العلم ولا تنطبق على هذا البيان الصادر عن المادي ، والنظرة الثانية وإن كانت منطبقة عليه غير أنّه بمراحل عن حقيقة العلم ، وأظن أنّ المادي قد ذهل عن محل النزاع ، وهو أشبه شيء بالذهول العمدي .
حسب المادي أنّ من قال بتجرّد الصور العلمية ، ينكر كلّما ساقه من العوارض والحالات والأعمال الفيزياوية في مراكز الإدراك ! وانّه يعتقد أنّ الإدراك لا يتوقف على أُمور مادية من استعمال العصب وأتعاب البدن كلّا . . . كلّ ذلك كذب وفرية ، فإنّ الإلهي لا يدفع أصلًا من الأُصول ، ولا قاعدة من القواعد التي أثبتتها العلوم وأيدتها التجاريب ، بل له في باب الإدراك أشواطاً غير تلك المظاهر المادية وهو يتلقى كل ذلك من الأعصاب والأدمغة ، وما يتجلى فيها من فعل وانفعال اعداداً للإدراك ومقدمة للعلوم ، وليست هي عين العلم والإدراك .
وإن كنت في ريب مما أسندناه إليهم ، فضع يدك على أيتأليف لهم أُلّف في هذا المضوع ، فإنّها طافحة بالإيمان بكلّ أصل علمي وعمل مادي أطبق على وجودها العلم .
وهذا الاعتراف منهم ، أيالاعتراف بأنّ الإدراك يتوقف في هذه النشأة المادية على اعداد ومقدمة من عمل الأعصاب ونحوه ، لا ينافي مع ما تسلّموه عند البحث عن النفوس من بقائها بعد مفارقتها ، وبقاء إدراكاتها عند انفصالها عن تلك الأبدان ، وسيوافيك بيانه في المستقبل إن شاء اللَّه .
ومجمل القول : أنّا لو أغمضنا عن كل شيء ، لا يسمح لنا الإغماض عمّا ساقنا إليه البرهان ، من أنّ العلوم والإدراكات تفقد ما يعد من الأحكام العامة للمادة ، كيف وقد عرفت أنّ الانقسام والتغيير ، والتشخّص ، وكون
أصول الفلسفة — صفحة 163
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٦٣