تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول الفلسفة — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠

ماذا يقول الماديون في حقيقة الإدراك :

قالوا : قد ثبت بالقواعد العلمية ، والتجاريب الطبيعية ، أنّ التأثير والتأثّر ، والتوليد والتولّد ناموس عام في المادة وأنّ كل وجود في هذا الكون رهين تفاعلات وانفعالات . ولا يشذ عن ذلك الناموس الكلّي ، مسألة الإدراك والتفكير ، فإنّ التفكير عبارة عن الأثر الحادث في الدماغ لتقابل المادة الدماغية مع الخارجية منها وتأثّرها منها ، فلا يتصور تأثير المادة الخارجية في الدماغ بلا حدوث أثر ثالث كما لا يمكن تأثرها بلا حدوث أثر فيه مستند إلى خارجه ، وإن شئت قلت : كل مؤثر لا ينفك عن متأثر وبالعكس أيكل متأثّر يلازم مؤثّراً ، كما أنّ كليهما لا ينفكّان عن أثر ثالث مع تسلّم التأثير والتأثّر ، كل ذلك لنواميس مطردة ، فيستنتج من ذلك البيان أنّ الفكر أثر مادّي يتبرّز في محال الإدراك بعد تقابل المادتين . وبما أنّ لمراكز الإدراك ( المخ والأعصاب ) قوة التوليد وتجديد المثل ، فلا محالة تتأثر محال الإدراك من الأثر الحادث من تقابل المادتين مرة ثانية ، غير أنّ تأثّر الدماغ عن الأثر الحادث فيه ( الفكر ) لا يقف عند حد ، بل يستتبع تأثّرات وأفكاراً وعلوماً ، وتتولّد آراء وأنظار ، ليست لها مصاديق خارجية وليس في وسع الدماغ البشري أخذها من المادة الخارجية وانتزاعها منها ، إذ ليس في الخارج منها عين ولا أثر . وبذلك تنحل مشاكل ربّما تلتوي بالأُصول المادية ، منها مشكلة العلم بالعلم ، فإنّ العلم الثاني ليس له مصداق في الخارج ، وليست له علة مثل العلم الأوّل من تأثّر الدماغ عن الخارج ، بلّ العلة لبروزه ووجوده ، إنّما هي