من أئمة علم الخلاف والجدل مشاراً إليه .
وفيها توفي المنصور أبو يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن صاحب المغرب الملقب بأمير المؤمنين . قد تقدم ذكر جده عبد المؤمن ، ولما مات أبوه اجتمع رأي المشايخ الموحدين وبني عبد المؤمن على تقديمه ، فبايعوه وعقد له الولاية ودعوة أمير المؤمنين كأبيه وجده ، ولقبوه بالمنصور ، فقام بالأمر أحسن قيام ، وهو الذي أظهر أئمة ملكهم ورفع راية الجهاد ، ونصب ميزان العدل ، وبسط أحكام الناس على حقيقة الشرع ، ونظر في أمر الدين والورع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأقام الحدود حتى في أهله وعشيرته والأقربين ، كما أقامها في سائر الناس أجمعين ، فاستقامت الأحوال في أحواله وعظمت الفتوحات . ولما مات أبوه كان معه في الصحبة ، فباشر تدبير المملكة من هناك ، فأول ما رتب قواعد بلاد الأندلس ، فأصلح شأنها وقرر المقاتلين في مراكزها ، ومهد مصالحها في مدة شهرين ، وأمر بقراءة البسملة في أول الفاتحة في الصلوات ، وأرسل بذلك على سائر بلاد الإسلام التي في مملكته فأجاب قوم وامتنع آخرون .
ثم عاد إلى مراكش التي هي كرسي ملكهم ، فخرج عليه علي بن إسحاق الملثم في شعبان سنة ثمانين وخمس مائة ، وملك بجاية وما حولها ، فجهز إليه يعقوب عشرين ألف فارس وأسطوله في البحر . ثم خرج بنفسه في أول سنة ثلاث وثمانين ، فاستعاد ما أخذ من البلاد ، ثم عاد إلى مراكش .
وخرجت طائفة من الفرنج في جيش كثيف إلى بلاد المسلمين ، فنهبوا وسبوا ، فانتهى الخبر إلى الأمير يعقوب ، فتجهز لقتالهم في جحفل عرمرم من قبائل الموحدين والعرب ، واحتفل فيها وجاء إلى الأندلس ، فعلم الفرنج فجمعوا جمعاً كثيراً من أقاصي بلادهم . وكان قد كتب إليه ملك الفرنج يتهدد المسلمين ، ومن جملة كتابه باسمك اللهم فاطر السماوات والأرض ، وصلى الله على السيد المسيح روح الله وكلمته ، الرسول الفصيح ، ثم عقب ذلك بالتوبيخ للأمير يعقوب والتهديد في كلام يطول .
فلما وصل كتابه إلى الأمير يعقوب مزقه وكتب على ظهر قطعة منه : ارجع إليهم ، " فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون " - النمل 37 - إن الجواب ما ترى ، لا ما تسمع . ثم كتب هذا البيت :
ولا كتب إلا المشرقية عنده * ولا ارسل إلا الخميس العرمرم
بيت المتنبي المشهور . ثم أمر باستدعاء الجيوش من الأمصار ، وضرب السرادقات
مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 363
مساهمون: خليل المنصور
ص٣٦٣