تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦
يعقوب خلى الملك وساح في الأرض . ووعدت هناك بذكر ما يؤيد هذا القول ، وها أنا أذكره الآن : سمعت ممن لا أشك في صلاحه من الفقراء الصادقين المتجردين المباركين من بلاد المغرب أن جمعاً من شيوخ المغاربة ذكروا رسالة الأستاذ أبي القاسم القشيري - رحمه الله تعالى - وما جمع فيها من مشايخ المشارقة وذكر مناقبهم ، فراموا أن يعارضوا رسالته برسالة مشتملة على شيوخ يذكرونهم فيها - من شيوخ المغاربة - ثم ذكروا أن في شيوخ الرسالة القشيرية من تجرد عن الملك ، ولم يجدوا في شيوخ المغرب من هو كذلك ، فقالوا : ما تتم لنا معارضة الرسالة المذكورة إلا بملك منها يزهد ويسلك طريق ابن أدهم المشكور . فاهتموا لحصول ملك يزهد في الدنيا من ملوك المغرب ليعارضوا به ابن أدهم على المنصب ، فجاء الشيخ الكبير الولي الشهير أبو إبراهيم بن أدهم إلى أمير المؤمنين - يعقوب المذكور فيما تقدم - واجتمع به ، فسر يعقوب بذلك ، وأخرج له من خزائنه جواهر نفيسة إكراماً له في مجيئه إليه ، فالتفت أبو إبراهيم إلى شجرة هنالك وإذا هي حاملة جواهر تدهش العقول ، فدهش أمير المؤمنين يعقوب ، وهاله ما رأى من تصريف عباد الله في ملك الله ، وما أكرمهم به ووالاهم ، ورفع قدرهم وأعلاهم ، حتى صارت ملوك الدنيا بين أيديهم كالخدم ، وملكهم حقير كالعدم . فعند ذلك احتقر يعقوب ما هو فيه من ملك الدنيا ، فزهد فيه ، وصار من كبار الأولياء .

سنة ست وتسعين وخمس مائة

فيها تسلطن علاء الدين خوارزم شاه محمد بعد موت أبيه . وفيها كانت محاصرة دمشق . وبها العادل ، وعليها الأفضل والظاهر ابنا صلاح الدين وعساكرهما نازلة ، قد خندقوا عليهم من أرض اللوان إلى بلد آخر ، فأمن من كبسة عسكر العادل ، ثم ترحلوا عنها ، ورجع الظاهر إلى حلب ، وسار الأفضل إلى مصر ، فساق وراءه العادل وأدركه عند العراب ، ثم تقدم عليه وسبقه إلى مصر ، فرجع الأفضل خائباً إلى صرخد - بالخاء المعجمة - وغلب العادل على مصر وقال : هذا صبي . وقطع خطبته ، ثم أحضر ولده الكامل وسلطنه على الديار المصرية ، فلم ينطق أحد من الأمراء . وسهل له ذلك اشتغال أهل مصر بالقحط ، فإن فيها كسو النيل من ثلاثة عشر ذراعاً إلى ثلاثة أصابع ، واشتد الغلاء وعدمت الأقوات ، وشرع الوباء وعظم الخطب إلى أن آل بهم الأمر إلى أكل الآدميين الموتى . وفيها توفي العلامة أبو إسحاق العراقي إبراهيم بن منصور المصري الخطيب ، شيخ الشافعية بمصر . شرح كتاب المهذب في عشرة أجزاء شرحاً جيداً . قلت : وهذا المذكور أول شراح المهذب ، وهم خمسة فيما علمت ، والثاني الإمام العلامة أبو عمر وعثمان بن