لكن ثمره مر ، ومنهل عذب لكن فيه كم من غريق ؟ فناداها حادي مطايا صدق الطلب بلسان النصح : يا أرباب الوله في حب معشوق الأرواح ! ويا أصحاب الحرق في غاية أماني العارفين ! ما بينكم وبين مطلوبكم سوى ارتفاع استار الصور ، ولا يحجبكم عنه إلا حجب الهياكل ، فطيروا إليه بأجنحة الغرام ، واطلبوا عنده الحياة الأبدية ، وموتوا عن شهوات إرادتكم ليحييكم به عنده في مقعد صدق . وقال رضي الله تعالى عنه : سرير الأسرار لا ينصب إلا في سرادق حق اليقين ، وحق اليقين نقطة دائرة التوحيد ، والتوحيد قاعدة بناء الوجود ، الهوية الأحدية مغناطيس حديد قلوب العارفين ، والروضة الأبدية مراتع أسرار المكاشفين ، كاشف الأرواح ليلة ألست بأسرار قدمه ، الاطف العقول في مقام ، وإذ أخذ بالألطاف تقرير عهده ، باسط الخواطر في حضرة السرمدية بمباسطة ، وأشهدهم بقرب إلى الأسرار في جناب الأزل بمخاطبة ألست ، سقاهم كأس حبه بأيدي سقاة قربه ، خرجوا إلى الدنيا وفي رؤوسهم نشوات ذلك الخمار ، وفي عيون عقولهم بقايا رسوم ذلك الجمال ، وفي أحداق قلوبهم يرفاه ذلك الجناب . واحرقتاه عليكم ! ! كيف تموتون وما عرفتم - ربكم ؟ ! ! الشجاعة صبر ساعة يا عجمي الفطنة ، سافروا إلى بلاد العرب يا موتي الطبيعة ، سافروا إلى بلاد هند الهداية . سقى بعض العارفين من هذا الشراب قطرة ، وأفرغ ساقي القدر له منه بقية ، فقامت روحه ترقص طرباً بين ندمائه ، قرأ لسان حال موسى وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همساً . قال المخبر عن صدق طلبه : " وخر موسى صعقاً " - الأعراف 143 - قيل : يا موسى ؛ معدة طبعك ضعيفة عن تناول شراب ، تجلي أنيق عينك ضيق عن مقابلة أنوار سبحات " أرني أنظر إليك " - الأعراف 143 - عين الحدث لا تنفتح في شعاع شمس القدم ، ورد النظر ما يطلع في شجر كانون هذا الكون ، أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا خلعة النظر في الدنيا مدخرة في خزائن الغيب لصاحب " قاب قوسين " - النجم 9 - هذا الشرف لا يناله من الخلائق سوى سيد ولد آدم ويتيمة عقد البشر : " ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده " ، - الأنعام 152 - . قال الرواة عنه : وأول كلام تكلم به على الناس على الكرسي - رضي الله تعالى عنه ، قوله : أغواص الفكر يغوص في بحر القلب على درر المعارف ، فيستخرجها إلى ساحل الصدر ، فينادي عليها سمسار ترجمان اللسان ، فتشتري بنفائس أثمان حسن الساعة " في بيوت أذن الله أن ترفع " ، - النور 36 - . قلت : فهذا ما أثرت الاقتصار على ذكره للاختصار من كلامه الجليل المقدار المشتمل على الحكم والمعارف والأسرار . وقد أشرت في بعض هذه الأبيات المختصرة إلى محاسن
مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 271
مساهمون: خليل المنصور
ص٢٧١