وملك النعوت العظيمة يريد أن يمر على مسالك المعالم ويبدو في مشاهد الشواهد ، فحدقوا عقولكم وصفوا سرائركم ، وقيدوا أفكاركم وغضوا أبصاركم ، واحصروا بلاغتكم وكفوا مناطقكم وألسنتكم . فبرز من جناب العزة سنا بارق مجلل بالهيبة ، مظلل بالعظمة ، متوج بالجلال ، مكلل بالكمال ، أخذ بنواصي الأنوار قاهراً لمعاني الأسرار ، فتجلى في حلل لطفه وتلطفه ، ودنا بتقربه وتعرفه ، له مطالع ومشارق ، ولوائح وبوارق ، وشواهد ومناطق ، ومعارف وحقائق ، وعوارف ومناشق ، تجلو مطالعة " الرحمن على العرش استوى " - طه 5 - ويسفر مشارقه " وسع كرسيه السماوات والأرض " - البقرة 255 - ويوضح لوامحه ، " يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء " ، - المائدة 64 - ويكشف بوارقه " وهو معكم أينما كنتم " ، - الحديد 4 - ويبدي شواهده " والسماوات مطويات بيمينه " ، - الزمر 67 - ويفصح مناطقه " والله من ورائهم محيط " ، - البروج 20 - وينادي معارفه " وهو السميع البصير " ، - الشورى 11 - ويطق حقائقه " ليس كمثله شيء " ، - الشورى 11 - ويشهد عوارفه " لا تدركه الأبصار " ، - الانعام 103 - وتتأرج مناشقة " قل الله ثم ذرهم " وظهرت معه بدائع القدم في أحسن صورة من بهجة الكمال البارز من حريم العز ، عليها من ملابس الجمال غرائب العجائب ، فطاف بها طائف من ربك في طرائق المكنونات ومصنوعات المصنوعات ومكنونات الكائنات ، فوقع الكل في مهاوي الهيبة ، وتاهوا في مهامه الدهشة ، وإذا الندا من حضرة القدس " ألست بربكم " فقالوا بلسان الذل والخضوع في مقام التوحيد والإقرار بوحدانية إلهيته : بلى ، وأشهدهم على أنفسهم لقيام الحجة ، يوم تشهد عليهم ألسنتهم ، فيتبع الخلائق ذلك البارق ، وسلكوا نحوه طرائق ، فاقتفى قوم ولم يستضيئوا هي من علم ولا إثارة ، بل حكموا العقول ومقاييسها . فاتبعوا الأهوية وأباليسها . فمنهم طائفة ضلوا في تيه التمويه ووقعوا في التجسيم والتشبيه ، الذين أهلكهم الشقاء حين ابتلى أخيارهم ، وأولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم . ومنهم فرقة - حاروا في أضاليل التعطيل . ومنهم عصابة هلكوا ابأباطيل الحلول ، وأغرقوا فأدخلوا ناراً ، فلم يجدوا لهم من دون الله أنصاراً . ومبادىء التوحيد والتنزيه تنادي في صفحات الوجود أن سلمان الصفات القديمة وملك النعوت العظيمة إلى الآن في مقر العز والجلال ومظل القدرة والكمال . ما انتقل إلى مكان ، لم يتغير عما عليه كان . يحتجب بجلال عزته في معالي كبريائه وعظمته ، فوجم العرش من خوف البطش ، إذ جعل محلاً للافتراء ومجالاً للامتراء ، وصاح بلسان الرهبة من البعد : يا أرباب الغيبة عن الرشد ، إني منذ خلقت في دهشة الوله ووحشة التحير لمع لي من جناب الأزل بارق " الرحمن على العرش استوى " ، - طه 5 - فلما صوبت نظري إلى نفسي وقع حده على جرم السماء فانطبع فيه : " ثم استوى إلى السماء " ، - البقرة 29 - فهبت فيها نظري ، وشخص إليها بصري وطمحت إشراقات أنواره إلى عالم الثرى ، فانتقش في طي مكنوناته مكتوب " واسجد واقترب " ، - العلق 19 - فأتى رهين غريتي وقرين زفرتي ، لا أسمع غير الأخبار ولا أشهد غير الآثار ، وأتبع قوم سبيل الرشاد في إشراق أنواره . ونصبو الشرع أمامهم ، وأخذوا الحق إمامهم ، واقتدوا بعساكر التوفيق
جنداً جنداً ، وسبقت إليهم ركائب التأييد وفداً وفداً ، وشموس الهداية تسري معهم ، وعيون العناية ترعى مرتعهم وتجمعهم ، فأوصلهم الصدق في اتباع الحق إلى مسالك التوحيد ومعارف التمجيد ، وعلت بهم الرتب إلى مقام القرب ، وسقوط الكيف والتشبيه والحدود ، ووجوب التنزيه والإجلال لواجب الوجود . قلت : فهذا بعض كلامه في ذلك محتوياً على التوحيد والتنزيه ومصرحاً بنفي التجسيم والتشبيه ، مفصحاً بكون الحق تعالى لم ينتقل إلى مكان ، ولم يتغير عما عليه كان ، جامعاً بين فصاحة العبارة وملاحة الاستعارة وكذلك قوله في المشاهدة : لا بد في الشهود من سقوط مشهودين ونفى تعلق الحط بالحيز والوقت والأين ، ومحو ثبوت الفيق والجمع والقرب والبين . وقد ذكرت في كتاب نشر المحاسن . شيئاً من كلامه في الاعتقاد والأسرار وعلم الباطن . ومن كلامه أيضاً المروي عنه في مناقبه لما قيل له أن فلاناً - وسموا له بعض مريديه - يقول إنه يرى الله عز وجل بعيني رأسه ، فاستدعى به وسأله عن ذلك فقال : نعم ، فانتهره ونهاه عن هذا القول ، وأخذ عليه أن لا يعود إليه فقيل له : أمحق هذا - أم مبطل ؟ قال : هو محق ملبس عليه ، وذلك أنه شهد ببصيرته نور الجمال ، ثم خرق من بصيرته إلى بصره منفذاً فرأى بصره ببصيرته يتصلى شعاعها بنور شهوده ، فظن أن بصره رأى ما شهدته بصيرته ، وإنما رأى بصره ببصيرته فحسب ، وهو لا يدري . قال الله تعالى : " مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان " ، - الرحمن 20 - وان الله يبعث بمشيئته على أيدي الطافه أنوار جلاله وجماله إلى قلوب عباده ، فتأخذ منها ما يأخذ المصور من الصور ، ولا ضرر ، ومن وراء ذلك رداء كبريائه الذي لا سبيل إلى انخراقه .
مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 274
مساهمون: خليل المنصور
ص٢٧٤